علاء الدين أبو زينة

لعبٌ مع الثلج!

تم نشره في الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

راوغَنا الثلجُ أمس. لعب بنا بدل أن نلعب به، فغيّر مساره وتركنا في الانتظار مع البرد والضباب. ومع ذلك، شغلنا هاجس "الزائر الأبيض"، وهيأنا له غرف جلوسنا وشموعنا.
هنا، نحبّ الخاطر الذي يصحبُ حضور الثلج الفاتن في هذه الأرض الصحراويّة. ويساورني اشتباه بأنّ الشعراء وفقراء المخيلة يستحضرون جميعاً للثلج صورة متشابهة الإطار، ولو اختلف ترتيب أشيائها: كوخٌ خشبيّ متوحد في غابة قَصيّة، مؤثثٌ بكثافة، ومدفّأ بموقدة حطب حجرية تئز فيها ألسنة نار متعانقة، وراء واجهة زجاجية عريضة. وفي الخارج، في الفضاء المفتوح على الخلفية الخضراء، تهوّم ندف الثلج هابطة مثل سرب هائل من الفراشات، وتحطّ متعاقبة على "الأفاريز" وأكتاف الأشجار المرتعشة في الباحة، وتلفّ العالَم بالبياض. وإلى هذا المُعتزَل المسرف في الدعة، يستضيف المرء الرفيق الذي يفضله، والشراب الذي يفضله، ويطرُد الشواغل والمواعيد.
النّاس هنا يحبّون الثلج لأنّه طارئ وخفيف الظلّ وغريبٌ، لا ينتمي إلى هنا. ولا بدّ أن ساكن الكوخ المتوحد في الغابة القصيّة المغمورة دائماً بالثلج يحلُم بهُنا، ببيت حجري في مدينة دافئة تستحم بالشمس. ثم، أيّ شيء أسوأ من أن تحاصرك عاصفة ثلجيّة وتعلق قدماك أو عجلات مركبتك في طريق خارجيّ؟ لكنّ ثلجنا يُخادع قليلاً سلطة الجغرافيا فقط، وينقلنا إلى غابة أوروبية بلا أشجار ودعة مصنّعة. ويصنع وحدة ظاهريّة بين المتنافرات التي تخفي حقائقها الملونة وتكتسي كلها بثوب الصلاة.
من أجمل ما قرأت عن الثلج، قصيدة روبرت فروست "الوقوف في الغابات في ليلة مُثلجة": "أظنني أعرفهُ، صاحبَ هذه الغابات. لكنّ منزله هناك، في القرية. ولن يراني أقف هنا، وأرقبَ غاباته وهي يملؤها الثلج/ حصاني الصغير يستغرب حتماً وقوفنا الغريب ههُنا، ولا بيت مزرعةٍ في الجوار، بين الغابات والبحيرة المتجمدة/ يهزُّ أجراسه مرّةً، ليسأل إن كان ثمَّ خطأ، ولا صوت آخر غير حفيف الريح الناعمة والنُّدف الزّغَبيّة/ الغابات جميلة، معتمة، وعميقة/ لكنّ لديّ وعوداً لأفي بها، وأميالاً لأقطعها قبل أن أنام/ أميالاً لأقطعها قبل أن أنام"!
ثمّة في الهدأة الليلية المتلفعة بالثلج البريّ ما يغري العابرَ بأنْ يستقرّ هُناك، ويستجيب لرغبة الاندغام في الطبيعة الخلوّ من المشاغل. لكنّ الرّكون إلى الهدوء المغوي يثير عجب الحصان، وربّما صاحب الغابات لو علم. بل إنّ العابر نفسه، المتردد في الوقوف، يهرب من إغواء البقاء باستدعاء الباعث العملي الذي يكفل استمرار الحياة: لمّا يحن وقت النوم بعد؛ ثمة شيء للحياة في ذمته، وأمياله الباقية ليقطعها قبل أن ينام. لكن الثلج هنا هو الذي يتوقف لدينا وقوفاً عابراً متردداً، ويوقفنا قليلاً معه قبل أن يغادر سريعاً ليكمل رحلته الأبدية، ويعيدنا نحنُ إلى شؤوننا مع وعودنا ورحلتنا التي نحاول أن نطيلها قبل أن ننام.
في الشّعر العربي، يتعاملون أكثر مع البرَد، أو "حَبّ العزيز". ربّما اشتقّ الاسم من عزيز مصر في قصّة يوسف النبيّ. ومن سوء حظّ اللغة أن شعرنا الجاهلي لم يصادف الثلج أثناء تجواله في رمال الجزيرة الصفراء، فلم يسجّل هيئة اللقاء المستحيل في ديوان العرب. لكنّ المتنبي الشامي كتب عن البَرَد: "وبسَمنَ عَن بَرَدٍ خشيتُ أذيبُهُ/ مِن حَرّ أنفاسي، فكنتُ الذائِبا". وابن حمديس الأندلسي في بلاد المطر والثلج، سحرته استدارة البَرد أيضاً، فسجّل: "نَثَر الجَوُّ على الأرضِ برَدْ/ أيُّ دُرٍّ لِنُحورٍ لَو جَمَد.. لُؤلؤٌ أصدافُه السُّحبُ التي/ أنجَزَ البارقُ مِنها ما وَعَدْ".
شُعراء رائقون، في زمن رائق، يبحثون في الخارج عن تأثيث الداخل. وفي الحالين، نون النسوة تدفء المكان. لكننا نكتهل باكراً ويخاتلنا الشعر. لكنني وجدت في دفتري القديم هذا اللعب مع الثلج وتاءات التأنيث: "يذكّرني الثّلجُ بالحبّ بالذّاتِ، تهبطُ في قُطنهِ الذّكرياتُ، خفيفاتُ، مثلَ الدخانِ الذي يتسرّبُ من شُرفاتِ حياتي، ويصعدُ أبيضَ، أبيضَ، حدَّ البياضِ الذي باتَ يحتلُّ رأسي.../ وتأتي مع الثلجِ كلُّ النساء اللواتي عشِقتُ -وغادرنَ، يوقظنَ روحي التي أغرَقتْ في السُّباتِ، ويضفرنَ طَوقاً من الوَرقات اللواتي تساقطنَ من شجراتِ حياتي التي لَونُها صارَ أصفَر، أصفرَ حد الصّفار الذي باتَ يملأ نفسي، فأدرك أنّي اكتهلتُ، وأني ترّجلتُ عن فرس الرَّغباتِ"!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اللعب مع الثلج (مواهب أبوزينه)

    الجمعة 23 آذار / مارس 2012.
    الله ياعم كم هي رائعة كلماتك في وصف الثلج وكم هي عذبة مداعبتك لصورته بريشة قلمك الرقيقة والاروع هو وصفك لصفحات العمر وطيات الدفاتر التي يختبىء فيها العشق القديم الله يا عم عليك
  • »الدهشة لمرأى الثلج. (ماجدة)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    كان من أجمل الدعايات التلفزيونية التي شاهدتها على إحدى الفضائيات _ والآن اختفت للأسف_ هي عن طالبين إفريقيين ينزلا في أحد الفنادق في أوروبا ، ثم فجأة يتسحبان من الغرفة لينزلا إلى الشارع ، كان تعبير الدهشة على وجهيهما جميل جدا وهما يريان لأول مرة الثلج يتساقط من الغيمات، نسيت اسم المنتج في الدعاية لكن لم أنس جمال الدهشة على وجهيهما.
    ومع أن الثلج يتساقط أحيانا في بلادنا ، لكننا لا نزال ندهش لرؤيته، لسة في أمل أنه تشتي الدنيا ثلج.
  • »اسعدتني (محمود العابد)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    يغيظني فيك تواضعك واسعد عندما يسنفزك موضوع رقيق برقتك فيخرج بعض ما عندك
  • »مضـت الغيوم وشــردتني (خالــد الشحـــام)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    شكرا للرحلة المجانية الرومانسية سيد علاء ، يسعدنا قراءة مقالاتك الخفيفة التي تحقق نزهة بعيدا عن صخب الأحداث والادمان السياسي المنهك ...... السؤال الحاضر توا للذهن لماذا نعشق الثلج ؟ لماذا نعود أطفالا دون أن ندري ونتنازل دون أدنى محاسبة عن كل الهيئات والمراتب والمراكز لنعود إلى تلك الساحة الخلفية للذاكرة ؟ لماذا نقدس أيام حضوره ونعدها من أجمل أحتفاليات الفصول ؟ لماذا أصبحت تلك الأيام هي أجمل ما رأينا بمرها وحلوها والمستقبل القادم غموض ومخاوف لا نستطيع لها فكا ؟................ يرتبط الثلج في دواخلنا بمجموعة جميلة من الصور وباقات ملونة من ساعات السعادة الخفيفة القليلة البريئة ، تبدأ عند تساقط رقائقه بخفة وتستمر حتى تتغطى كل المساحات بلون النقاء والصفاء الذي اختارته السماء ليكون أيقونة الأرض ، كل في الأبيض يهيمون وكل بحباته يسبحون ، كل الحكايات الدافئة تمر عبر حقول الثلج وكل الذكريات الجميلة تغرف من بلوراته السكرية حفنة من هنا وهناك............. أشعر أحيانا أنني لا أنتمي لهذا الزمان ولا لمتتالية الهزائم والالام التي نحياها ، ربما أنتمي لزمان كان الثلج فيه رفيقا لذلك الصبي النحيل ممزق الحذاء والأكمام يجول برعشة أطرافه المحمرة من لسعة البرد في الساحة الخلفية لبيت بسيط قرب اشجار الصنوبروالسرو ، بعيدا دون أن يدري عن بلاد تشتاق له وترسل إليه رسولا من الشوق بهيئة ملائكية بيضاء ، لا أزال اصر أن هنالك موسيقى عذبة حزينة تندلع في خلفية المشهد لا يمكن تحديد مصدرها لكنها كانت تشعل القلوب وتذبل العيون االقابضة ، لا أزال أشتاق لتلك اللوحة التي يختلط فيها جمال الخضرة بسحره الأبيض وتضافر السحاب المظلل في أفق يحتضن أحلاما ضائعة في فضاء السماء ، كم كنا نكره الشمس التي نحب عندما تشرق بحضوره لأننا كنا نخاف عليه من أن يغادرنا بلا وداع أو يهرب من تحت أقدامنا دون استئذان ، اليوم بعدما كبرنا تجاوزنا خوفنا عليه واصبحنا نخاف على البلاد التي ترسله ، أصبحنا نخاف من الأيام التي تمر دونه ونخشى أنها نبذت أولادا عاقين لها لكنهم في الهوى معلقين ، أخشى أن تذهب الأيام به ولا تعود الظلال لتحمل ملائكتي وأخشى أن الجبال سحبت معاطفها وما رحمتني وأن الغيوم مضت وفارقتني ، لكنه بين الحين والآخر يؤكد للمرة الأربعين أن البلاد لا تزال تبعث حبها ملاكا أبيض لمن يحسن رد الجواب والجميل.
  • »موعد مع الزائر الغائب (غادة شحادة)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    الثلج في بلادنا العربية كالمحبوب الذي طال انتظاره نقف امام النوافذ ونحن ننظر الى الافق املين ان يطل من بعيد ومع كل لمحة ضوء قادمة من بعيد يعاودنا الامل من جديد فنقف متاهبين ومع ابتعاد الضوء تدريجيا يسحب الامل من نفوسنا معه تدريجيا ايضا لنعود الى حالة الانتظار مازلنا ننتظر مع كل رنة هاتف مع كل رسالة على المحمول مازلنا ننتظر
    مازلنا وسنبقى في انتظار المحبوي الغائب على امل ان يطل قريبا
  • »أنت يا ابني كاتب عصرك الاول (د. عبدالله عقروق /بيروت مؤقتا)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    فطحل في التعابير . ومارد في التشابيه وعملاق في ايجاد الكلمات المناسبة .وجبار في الكتابة .لا يمكن ان يستطرب القاريء على كلماتك حتى يعيد قراءة موضوعك أكثر من مرة .ويقف عشرات المرات ليستعيد انفاسه لأنه يركض ويلهت لاستيعاب مقالك المشوق..يا اخي فقد فضخت نفسك بالكتابة عن بياض شعر راسك..والصورة اعلاه تنكر ذلك ..فأيهما تريدنا ان نصدق ؟