علاء الدين أبو زينة

نريد "التغيير" الذي يعني "الإصلاح"!

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

"إنهم يدركون أخيراً أن التغيير لا يعني الإصلاح؛ أن التغيير لا يعني الذهاب إلى الأحسَن" (فرانتز فانون: "المعذبون في الأرض").
الكثيرون من المتفائلين بالحراك العربي الذي مضى عليه أكثر من سنة، ربما تعجبهم فكرة "التغيير" في حد ذاتها. وفي الحقيقة، إذا ساءت الأمور بحيث لم يعد هناك قاع أوطأ يمكن أن تنحدر إليه الأمور، يقول الناس في بلادنا: "إذا ما خربت، ما بتعمر.. وأكثر من القرد ما سخط الله". وقد وصل العرب بالتأكيد إلى هذا الحدّ من السآمة والضيق بأحوالهم الرديئة، حتى أنّهم لم يعودوا معنيين كثيراً باحتساب كلف الانتفاضة من الدم والدموع، وغموض احتمالات خواتيمها. وكانت الفكرة وراء المغامرة بالدفع إلى التغيير، هي أنّ أيّ ناتج سوف يكون أفضل مما هو كائن.
أياً يكن، لم يكن "التغيير" رغبة نزوية لشعوبنا، مدفوعة بقلق وجودي فوضوي وبغض النظر عن النتائج. ولا شك أن الناس غامروا باحتمال أن ينتج التغيير وضعاً أكثر سوءاً –على الأقل لأنّ خيبة الأمل بعد بذل محاولة أخيرة مخلصة ستكون كارثية ومُقعِدة، لكنّ هذا الجيل الرائع من شبابنا المحرومين من الفرصة سعى إلى تغيير الحال إلى الأفضل بالتأكيد. أما أكثر النواتج المحتملة بؤساً، والذي لا يرغبه أحد على الإطلاق، فهو أن لا يعني التغيير الإصلاح ولا يذهب بالأمور إلى الأحسن.
الآن، بعد مرور سنة على بدء صحوة الشعوب العربية التي فاجأت العالم وأذهلتنا نحن، يكشف المشهد الحاضر عن صورة متباينة التفاصيل. نعم، لقد حدث تغيير في الكثير من الأمكنة التي طالبت بالتغيير. ولكن، هل يستنتج المعذبون في الأرض العربية أنّ التغيير قد لا يعني الإصلاح، وأنّه قد لا يعني ذهاب الأمور إلى الأحسن؟ سوف تختلف الإجابة عن هذا السؤال باختلاف الأمكنة والاشتراطات الظرفية. ومع أنّ الوقت مبكر على الاستنتاجات المُحبطة، فإن حصيلة ما تمخضت عنه أحداث السنة الذاهبة حتى هذه اللحظة، يميل أكثر إلى تحقُّق الإدراك الذي حذر منه فانون. آمل أن أكون مخطئاً!
الأكثُر قرباً وجدارة بالاهتمام -من دون أنانية- هو تعقب مآلات خبرتنا المحلية في هذا الشأن. وعلى رأس الخصوصية الأردنية في الربيع العربي، كانت حكمة الشعار الذي رفعه الأردنيون منذ بداية حراكهم بكل وضوح: "الإصلاح". وفي تقدير الكاتب الأميركي المحافظ كريستوفر تشانتريل، فإن "الإصلاح" يبقى مطلباً مُحافظاً، ولا يشبه ذلك المطلب اليساري بإحداث "تغيير تحويلي" أو "تغيير اجتماعي". ويستعين تشانتريل بمجاز يقرب فيه فكرة "الإصلاح"، فيكتب: "الإصلاح هو شيء يشبه ترتيب غرفة الجلوس قبل إقامة حفلة. وأنت تعلم أن الغرفة سوف تبدو في غضون ساعتين مثل كارثة، لكنك تفعل ذلك، مع ذلك".
يقترح هذا المجاز التصويري أن "الإصلاح" فعل متكرر غير نهائي. فأنت تدرك أنه لا بدّ من ترتيب غرفة جلوسك حتى تصلح للمناسبة القادمة، وتعرف أن ترتيبها سيتقوض لتعيد ترتيبها مع ذلك مرة وأخرى لأغراض أخرى. وبهذا، يختلف "إصلاح" الغرفة عن "تغيير" أثاثها وهيئتها بالكامل بعد كل حفلة أو مناسبة.
من دون الخوض في المفاضلة بين التغيير والإصلاح، يعني ترتيب الغرفة في اللحظة المعنية أن تكون مرتبة فعلاً ومريحة للحاضرين في الوقت المخصوص. ويجب إعادة ترتيب فوضاها بعد ذلك لتعود مريحة ومناسبة لاستخدام الجلوس العائلي على الأقل. وبتعبير عمليّ، يعني ذلك في السياسة تمكين أدوات الرقابة وتعزيز وسائل قدرة الناس على إعادة الترتيب إذا عمت الفوضى ولم تعد تحتمل. والمنطقة التي يمكن التفكير فيها بهذا الخصوص هي الانتخابات الحقيقية والجديّة التي يمكن أن تضع الشعور الشعبي في جهة الفِعل.
يفترض في الانتخابات أن تفرز نواباً يمثلون الناس بشكل حقيقي، ولا ينشغلون عنهم بانشغالاتهم الخاصة. وينبغي أن يكون هؤلاء قادرين على ضبط أداء السلطة التنفيذية بقدرتهم على إعادة ترتيب الغرفة والتخلص من مسببات فوضاها. ويجب أن يستطيع الناس دورياً تفقد هؤلاء أيضاً وترتيب المكان ليظل مريحاً وجاهزاً للحفلة التالية.
حتى لا يظل مواطنونا "معذبين في الأرض"، فإنهم يحتاجون إلى تغيير يعني الإصلاح، ويريدون رؤية أمورهم وهي تذهب إلى الأحسن.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشارع بريد التغير فقد سئم من عمليات الأصلاح التي لا تزال تتمخض (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2012.
    ان متطلبات الشارع الآردني التغير . فأصبح الاصلاح متاخرا جدا ، وجربنا اصلاحة لأكثر من عشرة عقود ولم ينفع. ويجب أن نبدأ وننتهي التغير في مناهج وزارة التربية والتعليم ، والحبل على الجرار
  • »ثورة الجائعين ليست مغامرة و ليست تمثيلا..و لا تعنيها النتائج (الدكتور راجح السباتين)

    الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2012.
    مرة أخرى يقدم لنا الأستاذ المبدع علاء الدين أبو زينة مقالا رائعا مفيدا يؤكد على احترامه لعقل القارئ العربي ...وقبل أن أذكر تعليقي على مقالته فإنني أشكر له ( و بكل صدق و أمانة ) الرؤيا التي نقلها لنا من أفكار الراحل الطبيب النفسي و الفيلسوف الاجتماعي المناضل فرانز فانون , الذي وافاه الأجل في نفس السنة التي أتم فيها كتابه الرائع ( المعذبون في الأرض ) عام 1961 .... المعذبون في الأرض يبثون لأهل الأرض رسالة يعبرون فيها بأسلوب حضاري راق ، متمدن ، عن موقفهم من الربيع العربي و الحركات المطالبة بالإصلاح في الوطن العربي الكبير العزيز ، وفي غيره من أوطان العالم الذي قامت شعوبه لتطالب بحقوقها متأسية و مقتدية بالشعوب العربية المسلمة التي نامت و لكنها لم تمت ، والتي نهضت من كبواتها و عثراتها لتأخذ طريقها نحو النور و الأمل من جديد... أيها المناضل الحر فرانز فانون يا ليتك عشت حتى تشهد ثورات العالم الثالث التي لطالما تنبأت بوقوعها و تحدثت عنها ؛ لقد وقعت نعم لقد وقعت ,لا ضد الاستعمار الغربي ولكن ضد بعض الحكام الذين استعمروا شعوبهم و نهبوا رؤوس أموالها و كرامتها...
    المعذبون في الأرض يعلنون تأييدهم و دعمهم لكل ذي حق يطالب بحقه و مساندتهم الكاملة لكل الشباب الشرفاء الذين تولوا زمام القيادة للتغيير نحو الأفضل و لما فيه خير بلادهم و مستقبل شعوبها... كل ذلك بأسلوب حضاري راق، بعيد عن العنف و الصدام و التخريب و التكسير و إتلاف الممتلكات الخاصة و العامة و المرافق التي تسهل حياة الناس ....
    يقول المعذبون في الأرض ذلك و هم يعلمون تماما أن للإصلاح أعداء كثيرين من أزلام الفساد و رجالاته من البلطجية و المرتزقة و أشباه الرجال و لا رجال ، و من يدعمهم و يمولهم من سيوف الباطل و أقلامه المسمومة و وجوهه المشؤومة التي تحاول ( عبثا ) بث الفتنة و الفرقة و تأجيج مشاعر الكراهية ضد الشباب العربي المسلم و الشعوب العربية التي لم تعد تحتمل المزيد... إننا نبشر كل الشعوب العربية المسلمة أن البلطجية و المرتزقة عسكريين كانوا أم مدنيين حكاما أو محكومين في كل أركان الوطن العربي الكبير سيزولون كما زال بلطجية مصر و تونس و ليبيا بعونه تعالى . لقد شرف الله تعالى المعذبين في الأرض بأن أحياهم ليكونوا شاهدين على سقوط المزيد من الطغاة و الظالمين الجاثمين على صدور شعوبهم التي أشبعوها نهبا و تعذيبا و تقتيلا ... وليس ذلك على الله ببعيد و ليس ذلك على الله بعزيز...
    نعم لقد آن أوان سقوط كل أولئك الذين يشرقون على شعوبهم في صورة آلهة أو نصف آلهة متوهمين الخلود أو الأبدية متناسين و لو مجرد التفكير في الموت... لو كان هؤلاء آلهة لما زالت عروشهم و لما ذاقوا الموت و لما كان ختامهم بئس الختام و لما وردوا القبور و مرغت أنوفهم في ترابها... و لكنها حكمة الله تعالى في قهرهم و إذلالهم و جعلهم عبرة لكل ذي عقل سليم يقرأ التاريخ أو يعتبر... ها هم قد رحلوا و بقيت شعوبهم , ها هم قد غربت شمسهم و بقيت أقمار و شموس شعوبهم ( التي أرادت الحياة ) منيرة ساطعة لا تغيب ... ألم يتعظ هؤلاء الحمقى و من والاهم في ظلمهم من فرعون الذي قال ( أنا ربكم الأعلى ) فكانت النتيجة أن جعله الله تعالى آية لمن جاء خلفه بل آية للناس أجمعين ؟؟؟ أولستم أنتم و نحن من جئنا خلفه ؟ بلى ورب الكعبة نحن و أنتم ... ألا فلتهنؤوا بظلام قبوركم بعد أن غربت شمسكم ؛ شمس القهر و الظلم و الاستبداد , و دنوتم من ليل سرمدي حالك إلى يوم القيامة , و قبور تضيق فلا تتسع إلى يوم القيامة يوم الحسرة لكم و الندامة ... يوم تشهد أيديكم و أرجلكم و ألسنتكم و جلودكم عليكم و على ما قدمتموه لشعوبكم من سلخ لجلودها و قطع لأعضائها و نهب لخيراتها و تنكيل بها و بذراريها ألا فلتهنؤوا...
    لن تصل الشعوب العربية التي ثارت على بعض حكامها الظالمين إلى حال أسوأ مما كانت عليه ... كما أن وطأة الظلم و الجوع هي التي قادتها إلى ما قادتها إليه في أيامنا هذه ...
    الجائعون و المظلومون يا سيدي ليسوا ممثلين و ليسوا مغامرين و لكنها لقمة العيش التي يسعى المعذبون في الأرض لتحصيلها لعائلاتهم بشرف و كرامة مهما كانت النتائج ...
  • »ثقه ومسؤولية (عايده مهاجر)

    الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2012.
    بكل موضوعية المقال رائع بفكرته وبطريقة طرحه وكذا بالمعلومات والمعرفة التي قدمها الكاتب ، في نظري ان من يقدم للقارئ التحليل والنقد والمعرفه هو كاتب فعلا يتسم بالشمولية والحرفية والاتقان . في الحقيقه انا اجد ثقه كبيرة في نوعية كتاب الغد لكن ما لا نريده ان يتكرر ان يكتب احدهم مقالا كما يقال في العامية ( من قفا ايدو) ابدا لا يوجد فزعه في كتابه المقالات اذا كان الكتاب حقيقيا يلتزمون بالمسؤولية الاجتماعية والاخلاقية .