د.باسم الطويسي

عمر الدولة وعمر الحراك

تم نشره في الاثنين 9 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

في تقديري أن قادة الحراك الشعبي الذين احتفلوا بالذكرى الأولى لانطلاقه الجمعة الماضي قد قزموا الظاهرة الاجتماعية-السياسية الأردنية، بإحالتها إلى سنة مضت فقط؛ فالحركات الاجتماعية السياسية عمرها من عمر الدولة الأردنية. لكن إذا ما أريد مواكبة حركات التغيير العربية، فمن الإنصاف القول إن موجة الحراك الأخيرة التي تجاوز عمرها العام الأول هي واحدة من تلك الموجات ومن أكثرها كثافة، ولكنها بالمنظور التاريخي ما تزال دون المستوى في التأثير المطلوب.
خلال تسعة عقود، استطاع المجتمع الأردني الحفاظ على حيويته التاريخية، وبقي دوما يملك الإرادة للمطالبة بالتغيير، ويملك القدرة على أن يقول "لا" حتى في أكثر اللحظات صعوبة وحرجا. ولم يتوقف هذا المجتمع عن العراك الحرج مع الطوارئ الإقليمية، كما لم يتوقف عن الجدل مع الدولة والعراك معها أحيانا؛ وهو الجدل الذي كثيرا ما كان حصاده مبدعا، وأحيانا أخرى كان ذرّاً في العيون.
منذ المؤتمرات الوطنية الأردنية التي قاومت الاحتلال البريطاني ومعاهدته، مرورا بمرحلة التحول نحو استيعاب المجتمع للدولة كما تعكسها وثائق الحركات الاجتماعية المبكرة ووثائق بلديات السلط والكرك وإربد، فيما ارتبط التأسيس الأول للديمقراطية في الخمسينيات في الضفتين بالعمق الاجتماعي، وصولا إلى الانتفاضات الشعبية التي شهدتها مناطق متعددة منذ العام 1989، والتي تحولت إلى حركات اجتماعية– سياسية من ذيبان إلى الطفيلة إلى أحياء عمان والمدن الأخرى، وجميعها تستطيع أن تستمر وتراكم العمل السياسي بمدى عمقها الاجتماعي وقدرتها في التعبير عن هذا العمق، ومن دون ذلك نعود إلى صالونات السجال السياسي للنخب التي تعاني من فصام مزمن عن الواقع، فقد نضجنا كفاية كي نكتشف أن السياسة في المجتمع وفي تفاصيل الناس وأحوالهم.
لا بد من الاعتراف بأن الارتجال السياسي هو شكل من أشكال الفساد، وهو الذي يوفر الظروف الملائمة لسرقة إنجازات الدولة وهدر مواردها. وستثبت المرحلة القادمة أن الأمن والاستقرار يكمنان في عقل الدولة وفي قدرتها على حماية منظومة قيم العدل والكفاءة والنزاهة أكثر من أي شيء آخر، وهي مخرجات برنامج الإصلاح الذي يريده من هم من الحراك أو الأغلبية الأخرى.
الحراك الشعبي خلال هذا العام قدم هدية ثمينة للدولة الأردنية لم يسبق أن تكررت في الإقليم، ما يتطلب من الدولة أن تكون أكثر إيجابية في استيعاب اللحظة التاريخية؛ فهي إما لحظة وصل أو فصل. وقد أثبت الحراك الشعبي حجم المصالحة بين القواعد الشعبية الأردنية في طوال البلاد وعرضها مع الدولة، رغم كل ما يقال عن ضياع الهيبة، ورغم الإدراك الكبير لغربة القانون هذه الأيام، ورغم محنة الظروف الاقتصادية الصعبة وهشاشة منظومة الحقوق والحريات، لكن سخط القواعد الاجتماعية وحنقها بقي دون سقف الدولة ونظامها في الممارسة والخطاب، بل عبّر بأن هذه الحيوية الغاضبة مصدرها الخوف على الدولة. فهل تلتقط الدولة أنفاسها وتدرك ماذا يعني الاختبار التاريخي الذي قدمه الحراك الشعبي في عمق الولاء للدولة، وتبدأ مصالحة من طرفها بمسار إصلاحي لا ولاء فيه إلا لفكرة الإصلاح وقوة الدولة، أي الاستدارة الواضحة نحو الإصلاح، وعدّه مصلحة وطنية عليا بعيدا عن المناورات السياسية وشراء الوقت وتطييب الخواطر؟ هل تهتز الدولة وتنتفض من الداخل كي تستقر وتثبت أكثر؛ فهذه لحظتها وفرصتها الثمينة؟

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحراك الشعبي الايجابي (امل العبادي)

    الاثنين 9 كانون الثاني / يناير 2012.
    اؤيد الكاتب ان الحراك الشعبي قد قدم هدية ثمينة للدولة الاردنية بمعنى انه حافظ على هيبة الدولة ولم يطال سقف الدولة بل خاف على الدولة
    مقارنة بالحراك الشعبي الذي رافق الدول العربية ولا نريد سوى الاصلاح الذي تفرضة الدولة بتطبيق القانون على الجميع وان الكل متساوي