د.باسم الطويسي

إفساد مكافحة الفساد

تم نشره في السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

برز خلال الأيام القليلة الماضية خطاب سياسي وإعلامي مباشر وغير مباشر، ربما مقصود أو غير مقصود، هدف إلى كبح جماح موجة مكافحة الفساد المتصاعدة، أو على أقل تقدير دعا بشكل صريح إلى فرملة أو إبطاء تصعيد هذه الموجة، أو التريث في فتح بعض الملفات، أو الحد من تعدد الجهات التي تتدخل في هذه الملفات. قد تكون بعض المقولات التي تأتي في هذا السياق مقبولة إلى حد ما، ولكن فكرة إبطاء هذا المسار وضرب هذه الموجة لن تكون أبدا إلا فسادا آخر، ومحاولة لحرمان الدولة الأردنية من فرصة تاريخية لاستعادة أنفاسها والاستمرار على قيد الحياة.
يقوم هذا الخطاب على عدة أطروحات أساسية، أهمها: أولا، أن فتح باب كشف الفساد على مصراعيه ضار بالاستثمار والاقتصاد الذي يعاني من مشاكل وخيمة، بل القول إن ذلك سيهرّب المزيد من الاستثمارت. ويعيد دعاة هذا الخطاب تراجع حركة الاستثمارات الإقليمية التي شهدتها المملكة في أجواء حالة عدم الاستقرار الإقليمي إلى هذه الأطروحة. ثانيا، أن تصاعد هذه الموجة يضرب أسس الدولة، ويظهرها دولة فاسدة تسكنها عوامل الفشل والترهل. ويدعي هذا الخطاب أن هذه الصورة تنقلنا من دولة مترهلة إلى دولة فاشلة. ثالثا، تشويه صورة المجتمع ونخبه حينما تضرب عمليات مكافحة الفساد صورة طيف واسع من هذه النخب التي يحاول بعضها في هذا الوقت الالتصاق بالمجتمع وترميز نفسه. في المقابل، نجد أن عددا وراء القضبان، وعددا آخر ذهابا وإيابا إلى المحاكم.
إلى هنا يبدو هذا الخطاب متهاويا ولا يخدم إلا توفير ملاذات جديدة للفساد، فكل الأدبيات الاقتصادية وتجارب التحول نحو الحكم الرشيد في شرق العالم وغربه لا تثبت، من قريب أو بعيد، أن إرساء قواعد صلبة للنزاهة، والتخلص من البؤر المظلمة للفساد، يخرّب الاقتصاد أو يهرب الاستثمار، باستثناء الاستثمار الذي ينمو ويزدهر في بيئات فاسدة، وعادة ما يتم ذلك على حساب المجتمع والدولة ولمصلحة فئات فاسدة، ولا نعتقد أن أحدا يريد هذا النمط من الاستثمار الوافد، بل إن أبجديات جلب الاستثمار تدل، من خلال مؤشرات تراكمية متعددة، على ارتباط جلب الاستثمار بالبيئات المعافاة من الفساد. وقد يقول قائل إن مشكلتنا في اللحظة الراهنة التي تصور أن كل شيء فاسد، وهنا قد نخسر لبعض الوقت من أجل أن نكسب كل الوقت.
الخوف على صورة الدولة ونخبها، أو الادعاء بأن عمليات التنظيف الواسعة تضرب أسس الدولة، أمر مؤسف ولا يجوز ترديده، فهل أسس الدولة قامت على الفساد؟ ومن المؤسف أيضا أن يُردد هذا الخطاب بدلا من التعبئة الإيجابية التي تقف إلى جانب مستقبل الدولة والمجتمع.
في المقابل، تبدو بعض الملفات التي يزج بها في حلبة مكافحة الفساد أحيانا وكأنها تهدف إلى خلط الأوراق، وتوفير بيئة ملائمة للمقولات السابقة، مثل الزج بملفات عمرها قارب العشرين عاما، أو رفع حجم التطلعات بشكل غير منطقي، أو بدل مراجعة أخطاء ملفات الخصخصة التلويح أو الدعوة إلى تأميم بعض الشركات. موجة مكافحة الفساد تشكل الأداة الموثوقة لاستعادة الدولة حيويتها وقدرتها على الاستمرار، واستعادة ثقة الناس، وعملية تمييعها بهذا الشكل لا تعني بكل بساطة إلا إفساد مكافحة الفساد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سفينة ... بحر ... شاطيء (ساهرة)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    لطالما انه هاي القوانين والملفات موضوعة من قبل البشر رح نبقى نبحر في بحر الفساد عبر سفينة المعتقدات من شاطيء فساد الى الاخر وهكذا لان الانصاف والنزاهة الوحيدة هي في السماء فقط
  • »الفاسدون (مراقب)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    لماذا كل هذا التباكي على الفساد والفاسدين...نعم نحن نعيش في مجتمع فاسد وأي محاولة لأنكار هذه الحالة المؤسفة هي محاولة فاشلة ...,. الأردن هو البلد الوحيد في العالم الذي يتهم فيه الموظف أو العامل الشريف بأنه مسكين وأهبل لأنه لا يسرق ولا يرتشي ... الأصلاح الحقيقي يبدأ من الأب والأم والمدرسة والفساد يوقف بالتشريعات والقوانين الرادعة التي لا ترحم أي فاسد مهما كان موقعه وليس بالتباكي على الفاسدين.
  • »الأهم فالمهم- فقه الأولويات (مجدي الخولي)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    فالنبدأ من الأنتخابات فهي أول الأصلاح ثم لا ننشغل بالمكافحة للفساد و نشغل بها النواب فدور النواب هو وضع التشريعات التي تمنع الفساد و المكافحة و المحاسبه تأتي بالمرتبة الثانية.
  • »البيئة الفاسدة (hasanat)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    اعتقد ان الفئة الفاسدة لا يمكنها ان تولد الا مفسدين، والطبطبه على المفسدين سوف تفسد كل المحتوى وبتالي يكون من الصعب التخلص منه ،كما السرطان عندما ينتشر في الجسم فانه يؤدي بحياة الانسان ، انقاذ الوطن يحتاج الى جراحة وجراح ناجح لانقاذه من الاسواء لا قدر الله
  • »jordan without corruption (amal alabady)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    Everything you say is true
    but the government should understand that
  • »الفساد الشامل (ابو السعود)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    يمكن مكافحه الفساد العام بدون تطفيش المستثمرين - عدا الفاسد منهم - وذلك بقطع دابر الواسطه والمحسوبيه وبتطبيق القانون على الجميع ورفع سويه التعليم ومعها التربيه -التي تدهورت - وتعزيز الأنتماء للوطن اولا وغيرها
  • »الفساد والناس (نور)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    بسبب الفساد ومن خلال الفاسدين يزداد الفقر والفقراء والبطالة ثم ينتشر الفساد الاخلاقي والظلماستشراء الفساد في الأردن وتكدس السلطة والمقدرات بأيد فئة محدودة بالقول : انه وفي سنة واحدة من السرقات يمكن تجيير الأموال التي سرقت ليتم بها تغطية تزويج مئة ألف شاب وبناء مساكن لهم بقيمة 30 ألف دينار للمسكن وتأثيثها وفتح مشروع إنتاجي لكل عريس منهم بـ 10 آلاف دينار وتغطية مصاريفهم المنزلية والمعيشية لمدة سنتين كاملتين
  • »الواقعية - و اختصار الشر - أحسن (عبدالله شبيب)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    أنا - ككل مواطن - حريص على الوطن وعلى كل من فيه ..
    .. ونصيحتي (المجانية ) أن يتجاوب - من يهمهم الأمر ... ويبادروا إلى إصلاحات حقيقيةوجذرية - إن كان بإمكانهم - قبل فوات الفرصة وتأزم الأمور ..وانفلاتها ..ورفع المطالب والوصول إلى مرحلة اللاعودة..كما فعل آخرون ..وندموا
    ( خلينا اصحاب واحباب ..أحسن )
  • »الخسارة احقيقية (د محمد هويشل)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    الفساد يتأسس على غياب نماذج قدوة ايضا في النزاهة ، كما يزدهر حينما يغيب ردع القانون ، الاردنيون خسروا من الفساد خلال اخر عشر عشرات المليارات لكن الخسارة الحقيقية كان في بنية الدولة
  • »اردني حر (ahmad mohmad hlalaat)

    السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012.
    سلمت يداك دكتور باسم نعم صحيح ان الفساد لا يصلحه الفساد الا باجتثاث ورم الفساد الذي استشرى في جسم الكيان الاردني ومن ثم يتعافى جسم الدوله ومؤسساتها وتستقطب الاستثمار السليم خالى من الشوائب التي عكرت صفو الاقتصاد وموازنة البلد لسنين طوال .............حسبيالله على الفساد والمفسدين واصحاب الجيوب المخزوقه التي لم تمتليء الا بتراب... اشكرك دكتور باسم ووفقك الله