زليخة أبوريشة

عندما أغضب للعربيّة

تم نشره في الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

موضوع اللّغة العربيّة عندي لا هزلَ فيه. ولطالما أغضبت من أهل الفكر والأدب للتّساهل في استعمالها، أو لعدم اكتراثها (أهل عندي مؤنّثة كسائر الجموع) أن تتهيّأ لها بما تستحقّه لغةٌ قوميّةٌ من احترامٍ وتوقير، فما بالك إذا كانت مادّة الإبداع وأداته؟ وأزيد على ذلك أنّ العربيّة لدى أهلِ الهُويّة (وهو مصطلحٌ وضعتُه ليشير إلى أولئك الذين واللواتي يؤدلجون الهُويّة) تحظى عند هؤلاء بالتَّقديس لأنها لغة القرآن الكريم. فكلما دقّ الكوز بالجرّة (أقصد كوز السّياسة بجرّة المصلحة) سمعنا العويل على الهويّة واللّغة نظريّاً، بينما نراها في الواقع العمليّ معلّقةً على مسلخ الجهل والتّكاسل والتّغريب. وأقول التّغريب (وأقصد الغربة لا الغرب) نظراً للهجمة التكنولوجيّة الجديدة المعولمة على حياة العرب التي سلّلت الإنجليزيّة إلى لسان الشّبيبة فاعوجّ وهجر، وتهادت لغةٌ أخرى، بل لغاتٌ، أعنفُها حضوراً المحكيّة. وأيّ تصفّحٍ سريعٍ لمواقع التّفاعل الاجتماعيّ على الإنترنت سيُرينا إلى أين بلغ قارب العربيّة في هذا البحر المهول من المؤثرات والتّداعيات التي لا تؤكّد القول بأيّ "قدسيّةٍ" عمليّةٍ للّغة عند أهلها، ولهذا حديثٌ آخر.
وإذا كان للمؤثّرات مجالٌ آخر للحديث، فإني هنا في معرضِ غضبي الشّخصيّ –مثل أساتذتي تماماً الذين سيكلّفنا خطأ معهم أو أمامهم، ولو كان يسيراً، راحة بالنا لقاء ما ارتكبناه من جرحٍ لكرامة العربيّة. فعملي ككاتبةٍ باللّغة، وكباحثةٍ فيها، ناهيك عن تدريسها والتّدريب عليها، يجعلني –شِئتُ أم أبَيْت– شديدة التنبّه لمزاجها وإيقاعها، متمعنة فيما أسمع وأقرأ وأنا أحمل في رأسي ذاك الجهاز الثّقيل المرهق لرصد الأخطاء بأنواعها. وقد ساعدني عملي في التّدريس وفي التّحرير طويلاً على سرعةِ التبيُّنِ والملاحظة، التي يتبعهما عادةً أن أغضبَ، وأن أُغضِب.
ولطالما عجبتُ لرئيس دولةٍ أو صاحب قرار يقرأ خطاباً في ورقةٍ ثمّ يُنشئ مجزرةً حقيقيّة تجعل من بيانه المكتوب أضحوكة شعبه وشعوبٍ أخرى. فأخطاء اللّغة في الخطاب المجهور تبدو ساطعةً كشمسٍ قبيحةٍ، أو ككائنٍ ديناصوريٍّ يمشي على ساقين من قشّ. فالفكرة مهما سمت، والإبداع مهما علا، والموضوع مهما تقدّس، لا تغفرُ لها عُدَّةٌ هزيلةٌ من أدوات اللغة. وقد أغضبتُ يوماً أديباً عربيّاً كبيراً لأنّه في ملتقىً نقديٍّ (شرشح) اللّغةَ وأهانها من دون أن يرفّ له جفن، وكان جوابُه –لا الاعتذار معاذ الله!!– أن (ماركيز) نفسه كان له من يصحِّحُ نصوصه!!!
فإذا أتينا إلى مَن مُهمّتُه/ها ووظيفته/ها التي يعتاشان منها التّحرير أو التّصحيح اللّغويّ وجدنا أعجبَ الخبر؛ فالإتقان هناك مفردةٌ غريبةٌ ومنسيّة. وليس سرّاً أنّ الصّحافة؛ مكتوبةً ومسموعةً ومرئيّةً، تحفلُ أكثر من أيّ وسَطٍ إنسانيٍّ آخر بالضّعف اللّغويّ والأخطاء "المميتة" (على ما كان يسمّيها لنا أستاذنا العلاّمة الدكتور هاشم ياغي). وإذا ما كنت سأنهي كلامي بوقفةٍ عند الإعلام فللآثار الباهظة التي يحفرُها في الناس وعقول الناس.
ففي الإعلام جرى تذكير المناصب بعد أن كان المنصب يتبعُ جندره (أي جنس صاحبته أو صاحبه): وزير، مدير عام، أمين عام، قاضٍ، نائب، رائد، مقدّم، عريف، مقرّر لجنة (والآن لدينا أول رئيسة تحرير في الأردن وسيطلقون عليها صفة "رئيس تحرير")... إلخ. ولذا فالإعلام لم يُخطِّئ الصّحيح فحسب، بل ألغى التّأنيث إلا عند الاضطرار. ولن أقف على أخطاء الإملاء والنّحو واللغة التي تسرح وتمرح بحريّةٍ مطلقة!!! والتي سببُها البيّنُ الشّخص غير المناسب في المكان المناسب، والضّعف العام بالعربيّة، وانعدام التّدريب والتّطوير المهنيّ...
وعلى ذلك، فليزعل مني من يزعل، ما دمتُ أحملُ سلّمَ العربيّة بالطول وبالعرض، ولا يهمّني بعد ذلك ما دمت أحاسب نفسي أعسر حسابٍ، وأتّخذ لي عدّةً وعتاداً من البحث الدّائم والتّحقّقِ، قبل أن أعلن أنّ اللّغة حقلُ نضالي الدّائم.
دعوني لا أفقد الأمل...

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المذيعون (مهاجر الحربي)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    لست متخصصا باللغة و لكني أعشق العربية و خصوصا عندما اقارنها بغيرها، أكثر ما أغاضني يوما أنني سمعت مذيعا و مذيعة يتفاخران على الهواء أيهما اجهل باللغة العربية وهي أساس عدتهما المهنية
  • »خلاف لن ينتهي (سعد عناب)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    يا سيدتي أضم صوتي إلى صوتك ،نعم يكاد يفلقني المتحذلقون في اللغة وهم يتجادلون في صحة استعمالنالمفردات مثل (نائبةوقاضية ...وغير ذلك في حياتنا اليومية ...ويعيدوننا إلى قول لفلان وفلان الذي منع استخدام كلمة نائبة لأن من معانيها المصيبة !أيعقل ذلك وقد أجازتها مجامع اللغة العربية في أكثر من دولة عربية ؟ لا تفسير عندي لذلك إلا طبعنا الذكوري الذي يأبى إلا أن يأكل البيضة وقشرتها ويذكر كل شيء لأن الذكر هو الأصل..!حتى في قواعد اللغة فلو كان لدينا ألف امرأة وكان بينهن ذكر واحد أنثنا العدد وذكّرنا المعدود... هذه قضايا على ما يبدو لن ينتهي الخلاف حولها شأنها شأن كثير من القضايا الإملائية. تحياتي لك يا سيدتي.
  • »أسمى اللغات (أم منال)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    استمتعت بقراءة مقال الكاتبة زليخة أبو ريشة ، التي دعت فيها الى صيانة اللغة العربية ، ، وان بعضا من اللوم ، أو معظم الملامة هي على مجتمعنا الأردني ، الذي ، يعتقد البعض أن تحدث أبنائهم حتى في مرحلة الطفولة ، باللغة الانجليزية ، غير السوية ، هو مظهر ( حضاري) ولكنه بالواقع ،يجعلهم مفتقرين للاهتمام بلغتنا العربية ، وقد يكون الأبوان ، مصابان بهذه العلة أيضا .
  • »لو كانت العربية فقط (سفيان)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    شكرا على غيرتك على عربيتنا. واسمحيلي ان أغار على انجليزيتنا ايضا، ام كنت تظنين أن "نوابغنا" يتقنون الانجليزية؟
    اسمحيلي أيضا ان اندب حظ مهنيتنا بكل اشكالها، فالمكان والشخص المناسبان تائهان هناك ايضا. هل تعاملت مع حاملي لقب د. و م. وغيرهما؟ هل تعاملت مع كهربجي و قصير وبناء وموسرجي؟ ازعم ان من لا يتقن لغته لا يمكن ان يكون د. ناجحا ولا م. عن جدارة ولا ميكابيكي نأتمنه على سيارتنا...والعكس صحيح
  • »ضياع بضياع ! (د. مصطفى شهبندر)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    أشكر الكاتبة ، والأديبة زليخة أبو ريشة ، لتناولها موضوعا ، قد اجتاحت آثاره المجتمع الأردني ، بداية من طلاب المرحلة الابتدائية ، ووصولا الى من يتصدروا منابر الخطابة من ورقة كتبت لهم ، ولم يحسنوا قراءتها . . واني هاهنا ، أتحدث عن شجوني من خلال الحوار الذي يتم بيني وبين من هم حولي من الأقارب والمعارف ، أذ أتساءل ، لماذا يحمل ألأحفاد ، ومن قبلهم ألأبناء، في حقائبهم المدرسية ( أثقالا ) من الكتب الأجنبية ، تفوق بثقلها جميع كتبهم الأخرى ودفاترهم ؟ وقد ساد في مجتمعنا مفهوم مغلوط مفاده الحرص على أن يتعامل الصغار مع عدة لغات ، آخرها ، اللغة العربية ، ليخرج الطالب بنتيجة لم يحصل منها ( هذا ولا ذاك ) ، واني أعلم أن السقوط في امتحان مادة اللغة العربية في دولة شقيقة ، كافية لرسوبه في صفه . . ولتباهي الأهل بأن أبناءهم يتكلمون (بكوكتيل ) مضحك من اللغات ، سببا رئيسا في لهذا المآل . وأضيف الى ذلك ماسميته في مناسبات سابقة ( الأمهات البديلات ) اذ تترك بعض الأمهات رعاية الأطفال للخادمات ، للتعاطي مع الأطفال بمزيج من السيريلانكية أو الاندنوسية والانجليزية ( المطربشة ) مع بضع من الكلمات العربية ( المكسرة ) . والنتاج الحتمي أن نرى الاطفال وقد أصبح بعضهم رجال قادة للأمة ، وقد هربت مرابط وأبجديات اللغة الأم من قاموسهم اللغوي . . فمهلا في استباق المعارف في اللغات الأجنبية وللنتنكر للغة آبائنا وأجدادنا ، وقرآننا الذي أنزل على رسولنا صلاة الله وسلامه عليه ،بهذه اللغة .
  • »بعض المناصب (علاء البنا)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    شكراً جزيلاً للأستاذة زليخة على الموضوع الجميل، وبالرغم أن البعض يعتقد أن مواضيع كهذه في غير وقتها للمشاكل الكبيرة التي نواجهها إلا أنّني شخصياً ممن يغضبون -بالرغم من عدم تمكني الكبير في العربية- كما تغضبين لأجلها.

    بالنسبة لمسألة تذكير وتأنيث المناصب، أتساءل إن كان من المُفترض/الأصحّ تأنيثها على الدوام، فعندما نقول: هو نائب، هل من الصحيح القول: هي نائبة؟ مع العلم أن التأنيث هنا قد يُفيد معن مختلف.

    على الأغلب المسألة مُرتبطة بالتاريخ العربي الذكوري حيث كانت العديد من المهام مُقتصرة على الذكور مما سمح باستخدام تأنيث تلك المُسميات في معانٍ مُختلفة.. ولا أعلم إن كان من الصحيح لُغوياً استخدام ذلك التأنيث بعد أنْ ولّت تلك العهود المُظلمة.

    وفي ذات الخضم؛ بالإمكان التساؤل أيضاً عن تلك الصفات المُقابلة التي كانت مُخصصة للنساء كالحامل -لا! أعتقد أنّ هذه غير صالحة هنا للآن- والمُرضع.. إلخ، والتي قد تبدو مُذكرة للوهلة الأولى فهل من الصحيح تأنيثها لاستخدام الصيغة المُذكرة في وصف الرجل الذي يعمل ذلك الشيء؟ (ربما خانتني التعبيرات ولكنني آمل أن تكون الفكرة قد وصلت).

    كل الاحترام.

    بالطبع
  • »أشكرك (هيثم الشيشاني)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    شكرا ً لفارسة اللغة العربية و المدافعة عنها
  • »اللغة تعكس حال المتكلمين بها. (ابو خالد)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    نعم فما نتكلمه ونكتبه أصبح اقرب الى "الرطانة" منه الى اللغة في ابسط صورها ,المحكية او الدارجة.اللغة كائن حي ,ترتقي بأرتقاء من يتكلموها وتتضع بأتضاعهم وضعفهم وضياعهم,فعجزنا عن مجاراة العصر بها واكتفائنا بالشاطر والمشطور والناسوخ والحاكوم(الريموت كونترول),وتعصبنا وتشددنا في اشتقاق مفردات جديدة,سهل من تسلل المفردات الانجليزية,بينما نجد ان من جعلوا انفسهم سدنة لغة كانت منسية لالاف السنين وتشترك مع لغتنا بأنها سامية,لا يألوا جهدا في اشتقاق مصطلحات جديدة تعد بالمئات والالاف سنويا,فالـ (SMS )تصبح عندهم misron بينما نحن لا نخجل من استعمال مسج و مسّج وهكذا.
  • »أحسنت! (Sami)

    الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012.
    لطالما لفت انتباهي و اعجبني الاهتمام الشديد بالتشكيل في كتاباتك رغم ما يحمله من عبء خلال استعمال لوحة المفاتيح.
    ان اكثر ما يغيظني هو ان اسمع مذيعا او مذيعة يقرأ العربية فينصب المرفوع و يكسر الساكن, دون ان يرف له جفن و هو -او هي :) - من لب مهنته في استعمال اللغة.