علاء الدين أبو زينة

"كيف ترى قيادتي"؟!

تم نشره في الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

غزت شوارعنا تقليعة جديدة، حيث يكتبون على ظهور السيارات السؤال: "كيف ترى قيادتي؟". ونحن نرى هذا السؤال غالباً على سيارات توصيل الوجبات السريعة "ديليفري"، أو حافلات المدارس وسيارات الشركات، مصحوباً برقم هاتف ليجيب المستفتون الراغبون. والمقصود، فيما يبدو، هو رغبة صاحب العمل، والسيارة، في تخويف سواقيه وإرغامهم على الانضباط في السياقة. وليس منَ المعقول طبعاً أن يكتب أحدٌ هذا السؤال على سيارته الخاصة، لأنّ كلاً منّا يعتقد جازماً بأنه الأمهر في كل شيء على وجه الأرض، ولا يمكن أن يستفتي مواطنيه على سياقته أو غيرها، على قاعدة: "عندما وزّع الله الأرزاق، لم يرضَ أحد برزقه. وعندما وزع العقول،
رضي كلٌّ بعقله".
لستُ في حاجة إلى القول بأنّ كثيرين من المكتوب هذا السؤال على ظهور عرباتهم سيسمعون غالباً جواباً لا يُعجبهم: والله سياقتك لا تعجبني، وقد كدت تقتلني أو تقتل نفسك؛ حبذا لو تكون أكثر صبراً وانتباهاً؛ أتمنّى لو تتذكّر بأنك لا تمتلك الطريق وحدك، وأنّ هناك آخرين حولك.. وما شابه. لكنّ أحداً لا يبدو معنياً باستيقاف سوّاق آخر على الطريق وإبداء ملاحظات؛ فما الذي يضمن أن لا يترجل له الآخر بهراوة، أو بمفتاح عزقات الإطارات؟ كما أنّنا لسنا مُعتادين، بالخبرة، على تصديق جدوى الشكوى لصاحب عمل أو مسؤول، لا باتصال هاتفي، ولا بوضع ورقة في "صندوق الشكاوى والاقتراحات".
على كلّ حال، وحتى لا أبدو متحاملاً، فإنّ السواقين الذين وضع لهم أرباب عملهم هذا السؤال التجسّسي على عرباتهم، مساكين في نهاية المطاف. ومن المؤكد، مليون مرّة، أنّ صاحب العمل أو المسؤول نفسه لن يضع أبداً على عربته، أو على باب مكتبه، أو بوابة قصره شاخصة تسأل: "كيف ترى قيادتي؟"، أو "كيف ترى أدائي؟". وحتّى "صندوق الشكاوى والاقتراحات" المألوف وجوده في مكاتب البريد والدوائر الحكومية، يفترض أنْ يحمل مفتاحه المسؤول، ليطلّع على هفوات مرؤوسيه فيحاسبهم– إذا تكلف مؤونة هذا الجهد أصلاً- أمّا إذا بلعَ فمُ الصندوق شكوى أحد منه هو، فالأرجح أن يودعها سلة المُهملات، مصحوبة بلعناته على الشاكي الغبيّ الذي يجهل الحكمة من وراء الأشياء، على قاعدة "عندما وزع الله العقول...".
في الحقيقة، نحن أبناء ثقافة لا تقبل النّقد. وفي تقاليدنا يجب أن يعني النقد: المديح، ولا شيء غير المديح. وإذا سألك صديق كاتبٌ مثلاً: كيف ترى كتابتي؟ فقلت إنها شيء أقل من بديع وما له مثيل، خسرته واتهمك برداءة الذائقة. وإذا سألك رأيك في شقة يريد شراءها، فبيّنت له عيوبها، اعتبرك حاسداً وغيوراً. ومع أننا كلنا أمّة "زعماء" كما نقول، فإنّ البلاء المهمّ في الزعماء الحقيقيين الذين لا تتعلق خياراتهم الميمونة بأنفسهم، وإنما تقرر –حرفيّاً- مصائر الآخرين. وإذا سألك هؤلاء (ولا يسألون): كيف ترى قيادتي، فقلت: لا تُعجبني، فإنّك تكون معارضاً، ومخدوعاً وصاحب أجندة خارجية وتستحق السجن.
نتأمل مثلاً برلماناتنا وحكوماتنا، فنرى الأولين لا يحجبون الثقة عن أيّ حكومة أبداً، ربما لأنّ أياً منهم لا يثق بأن لا يُسلمه الآخرون إذا تبرع ليكون الأول الذي يقول: لا يعجبني، فيقع وحده. وإذا حدث وأن حجب القليلون، شككنا بأن أغلب هؤلاء يشتغلون على سيناريو مرسوم، حتى يتجنب "القائدون" حرج نسبة 99.9%. ثمّ، إذا مالت الريح، يملأ نفس الذين أمّنوا وبصموا الفضاء كشفاً عن فساد ذات الحكومة حين تدبر، ويبلعون مدائحهم الأولى وكأنها لم تكن من نطقهم الكريم. وللحقّ، معهم حقّ، فمن الذي يريد أن يجيب بغير الجواب المتوقّع المضمون عن سؤال نافذ: "كيف ترى قيادتي؟!"
على العُموم، يجيب النّاس في الفترة الأخيرة، متشجعين برفقة مواطنيهم وبحقيقة أنّه لم يعد لديهم ما يخسرونه، عن هذا السؤال من دون أن يطرحه سواقو قطاراتنا. وقد وصل الجواب عالياً إلى كلّ مَن يهمهم الأمر. ونكاد نسمع إجابة الإجابة بسؤال: ومَن طلب رأي حضراتكم؟ لكن الأفضل من هذا الحوار البيزنطي، هو أن يكتبُ المؤثرون بإخلاص على أبوابهم: "كيف ترون قيادتي؟" وأن يثقوا بأنّ القيادة التي تراعي أمن الآخرين، ستوصل الجميع إلى وجهاتهم آمنين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فنتازيا كيف ترون قيادتى (د م ناجى الوقاد)

    الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2012.
    اود ان اشارك الكاتب من باب الفنتازيا حيث تبقى التمنيات فى ان يتم استخدام هذه العبارهذاتها كرساله عبر للاخرين فيها متبنيهاعن تفهمه لواقع حاله وتكيفه مع تلك الحال مطالبا اياهم بالمعامله بالمثل وتبقى الامنياتفى ان يتم كذلك استخدام العبارات بشكل اكثر تناسبا مع واقع اخر على سبيل المثال :ماذا لو ان زوجة وضعت على ظهر زوجها ملصقا:كيف ترى زوجى؟ او ان كل ولى امر وضع على زى ابنه عبارة :كيف ترى ابنى؟او الزام من اهوا محكوميتهم فى الجن على وضع عبارة:كيف ترى سلوكى؟اما فيما يختص باوضاع البلد فاقترع بان يرفع نواب الامه الاكارم امام ناخبيهم عبارة :كيف ترى ادائى؟لينظروا الى ردود فعل من انتخبوهم وماتحقق من وعودهم لهم خلال الحملة الانتخابيه,آملا ان يكون التعامل مع هذه العباره بشكل جدى وليس من قبل رفع العتب فقط
  • »قايدة المسؤولين (أبو مالك)

    الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2012.
    الأولى من هذا السائق المسكين في كتابة هذه العبارة على مركبته هو ذلك المسؤول الكبير... المدير والوزير والحاكم... أن نضع على مكتبه أو وزارته أو مقر حكمه( كيف ترى قيادتي)