إبراهيم غرايبة

الدين: الإيمان والخطاب والعلم

تم نشره في الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر" (التوبة، الآية 19).
نحتاج إلى التمييز في التدين بين ثلاث منظومات لا يصح أن نتعامل معها بنفس الحساسية الدينية؛ أولاها الإيمان بالله والكتاب المنزل وسائر أركان الإيمان، وعبادة الله على النحو الذي أنزله في كتابه، وهي معتقدات وأعمال فردية بين الله والإنسان يتّبعها الإنسان بقلبه مصدقا بها كما بلغته عن الرسول ومن بعده، ولا يملك أحد سلطانا عليها، ويتحمل المسلم مسؤوليتها وحده فردا.
والمستوى الثاني هو الخطاب، بمعنى تنزيل الدين وتطبيقه في الحياة كما أمر الله ورسوله. وهنا يحدث الخطأ والصواب وتعدد الفهم والتأويل. ويتعدد الخطاب حسب اختلاف المجتمعات والأزمنة والأمكنة والمستويات العلمية والثقافية والحضارية والاجتماعية. وأصعب ما في ذلك وأشقه القدرة على التمييز بين الديني والإنساني، وما هو من عند الله وما هو ليس من عند الله، ولكنه يبقى خطابا للمسلمين ينشئونه حسب ما يتمثلون من الحكمة والمصالح، وما يقدرون على إنشائه وإبداعه متبعين ما يعتقدون أنه الحق والخير والجمال، الحق بمعنى الخطأ والصواب أو العدل والظلم، والخير بمعنى المفيد والضار، والتمييز بين النفع والضرر، والنفع الأكبر والنفع الأصغر، والضرر الأكبر والضرر الأصغر، والجمال بمعنى التمييز بين القبيح والحسن.
والمستوى الثالث هو العلوم الدينية من الفقه والتفسير والفلسفة وسائر فروع العلم، وهي علوم إنسانية بحتة يشارك في تعلمها وتعليمها جميع الناس من المسلمين وغيرهم، مثلها مثل علوم الاجتماع واللغة والفلسفة والتاريخ، وتخضع لمناهج البحث، وهي قابلة (كشرط حتمي) لإثبات خطئها وصوابها، فليس علما إلا ما يمكن إثبات زيفه.
هذا التمييز ضروري، ونحتاجه لتقييم الأفكار والمواقف ووزنها، وقبولها ورفضها، فليس كل شأن من الدين بمستوى غيره، وبعضها قابل للرد والنقاش والقبول، وبعضها لا يقبل، وليس كل خطأ في الدين عدوانا عليه يستوجب الخصام والعداء، وليس كل فهم قضية تحتاج إلى دعوة وتصحيح، ففي الخطاب تتعدد الاجتهادات ويتعدد الصواب أيضا، وذلك متروك لقبول الناس واطمئنانهم. وأما العلوم الدينية، فهي شأن علمي خالص يجري بحثها وإثباتها ودحضها كما يجري في تقاليد ومؤسسات العلم والبحث العلمي، وليست شأنا دينيا أو جماهيريا أو سياسيا، ولا تستوجب التحزب والعداوة والتأييد، إلا بمقدار ما نحشد المظاهرات والجماهير تأييدا أو رفضا لنظرية النسبية أو التفاعلية الرمزية أو الشبكية على سبيل المثال.
إن القدرة على تمييز الديني والإنساني حتى في أقوال الرسول وأفعاله هي مدخل التقدم الديني وملاءمته المتواصلة للحياة والعصور، وفي الحديث النبوي: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا يَقُولُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذْهَا".

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل يتناقض الانساني والديني (rateb)

    السبت 31 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    تحياتي استاذ ابراهيم .... اعتقد ان كل ما هو انساني لا يتناقض مع ماهو ديني بل ينسجم معه ..لكن الذي يدخلنا الى الاختلاف هي مصالح فئات معينة وتأويلات ترى الامور فقط من زاوية رؤية تنسجم مع مصالح هذه الفئات فلانساني دائما كان يبحث عن الخلاص من خلال الدين
  • »الذاتية والعالمية في الخطاب الاسلامي (ahmad jordan)

    الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    ان ديناميت العلاقة بين الخطاب والنص الديني وبين الواقع المعاش بتحدياته مسالة اعتقاد نشات عن تفاعل النص مع العقل بما انتج من مقولات وممارسات قد لا تكون هي من اصل العقيدة وانما هي من منتجات الاعتقاد الى التاويلات. ما يهمنا هو الى اي مدى تتسق هذه الخطابات مع اليات ومؤسسات التنشئة السياسية والاجتماعية الاخرى مثل مؤسسات التعليم واجهزة الاعلام وهل هناك انفتاح بلا ضوابط يضيع اللاخصوصية ويتيح اللامعيارية ام هو نوع من التفاعل الذي يممتص كافة العناصر ويعيد تمثيلها بغر اعادة الانتاج( التجدد الذاتي ) كجزء من قاسم انساني مشترك عابر للذاتيات الثقافية والحضارية
  • »أدوات العقل (issa)

    الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    عندما نريدان نحلل أي أمر فإننا نخضعه الى قوانين وأدوات عقلنا وذلك يحدث عندما نريد أن نفهم خطاب الغيب إلينا فنخضعه الى ترجمة خاصة لكي نفهمه فيصبح انساني ويدخل الى قوانين الطبيعة ونستخدم ادواتنا الانسانية في التحليل والفهم وهنا عندما نريد ان نقارن بين الغيبي أو الالهي بعد الترجمة لن نستطيع أن نفرق بين ما هو انساني وما هو الهي ولذلك يحدث الخلط