قوانين عنصرية: كي لا تضيع البوصلة

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

يتواصل في الكنيست طرح مشاريع قوانين عنصرية، وأخرى مناهضة للديمقراطية والحريات وأطر حقوق الإنسان. وقد قرر ساسة إسرائيل أن لا يتركوا ذروة جديدة يسجلونها، إلا وسجلوا بعدها بفترة قصيرة ذروة أخرى. ولكن في معمعة العنصرية في إسرائيل، هناك من يريد أن يتسلى بنا، أو يدخلنا في متاهة، من خلال فوضى إعلامية، منها ما هو مخطط، لتمرير سياسات أخطر، وهذا ما يتطلب منا اليقظة والحذر.
هناك نوعان من القوانين في الكنيست؛ قوانين حكومية وأخرى "خاصة"، أي التي يبادر إليها  النواب. وفرص نجاح القوانين الخاصة منوطة، بشكل كبير جدا، بموقف الحكومة والائتلاف الحاكم، خاصة إذا كان الائتلاف متماسكا وقادرا على فرض إرادته على الكنيست، كالائتلاف الحالي.
وقد عرف كتاب القوانين الإسرائيلي أخطر القوانين العنصرية على المستوى الاستراتيجي، تم سنها على مر السنين، وتستهدف فلسطينيي 48 أساسا وممتلكاتهم وأراضيهم وبقاءهم في وطنهم، ولا يوجد مجال واحد في الحياة يخلو من القوانين العنصرية.
والجديد في هذا المجال، وبشكل خاص في السنوات الخمس الأخيرة، هو ازدياد نسبة القوانين العنصرية الخاصة. وطبيعة هذه القوانين تتعلق بتفاصيل حياة الفرد الدقيقة، مثل مسألة الزواج وبناء العائلة، والحريات السياسية وتضييق مجال التحرك في الحلبة البرلمانية، ومجمل الحياة السياسية.
وكما قلنا منذ سنوات، فإن مسألة التشريعات العنصرية باتت خشبة قفز للكثير من أعضاء الكنيست ليصلوا إلى منصات الإعلام ويزيدوا من رصيدهم السياسي تمهيدا لأي انتخابات مستقبلية. وما يغذي هذه الظاهرة وسائل الإعلام التي منها العنصرية بطبيعتها، ومنها من بحثت عن الانتشار وجذب المشاهدين والقراء. ومرحلة بعد أخرى، باتت جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية تقريبا جزءا مركزيا في ماكنة التحريض العنصري.
ولكن من جهة أخرى، ربما سيأتي يوم نكون فيه أكثر صراحة مع أنفسنا كفلسطينيين في الداخل، لنفتح ملفا ذاتيا، حول وقوع قلة قليلة جدا من بيننا في مطب إعلامي، يساهم في تأجيج هذه الظاهرة، ظنا منها انها تحصد قسطا من المكسب السياسي.
أما الأخطر من كل هذا، فنجده في ظاهرة تتزايد بشكل مقلق، هي ظاهرة الإعلان عن مشاريع قوانين أو نوايا لطرح قوانين شديدة العنصرية، ولكن القسم الأكبر من هذه "المشاريع" يبقى للاستهلاك الإعلامي، ولا يصل إطلاقا إلى الهيئة العامة للكنيست، وكل ما يتركه مجرد ضجة إعلامية، ولكن من خلفها يتم تنفيذ سياسات ليست أقل خطورة من حيث الجوهر، ولا تصل إلى الإعلام لكونها تبدو وكأنها "مخففة".
والقسم الآخر من هذه القوانين يصل فعلا إلى الكنيست بصيغة مضخمة، بهدف تمرير صيغة "مخففة"، وهي المقصودة أصلا من طرح القانون. والنموذج الآني لهذا النوع من القوانين نجده في المبادرة لقانون حظر أذان المساجد في مناطق 1948 والقدس المحتلة. وأكثر من هذا، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبدى حماسة زائدة لهذا القانون، إلا أنه واجه معارضة من وزراء، ومن بينهم من هو محسوب على التيار اليميني المتشدد.
فعلى الرغم من أن المبادرة جاءت من نواب في الائتلاف الحاكم، إلا أن طرحها على الكنيست في الفترة القريبة جدا ليس مضمونا، ولكنه ليس مستبعدا. فعلى الرغم من عنصرية النظام الحكم في إسرائيل، إلا أننا لا نرى بوادر ملموسة تدل على رغبة هذا النظام في انفجار ضخم في هذه المرحلة بالذات.
ولهذا، فإن السيناريو الآخر يقول إن القانون سيطرح فعليا ولكن بصيغة تظهر وكأنها "مخففة". أما التخفيف فسيكون بتفصيل قانون يضع مواصفات لارتفاع الصوت بشكل متفاوت على مدى الساعات الأربع والعشرين يوميا. وفي حال تم إقرار قانون كهذا، فإننا لن نرى "حظرا كليا" للأذان، بل تخفيضا بدرجة كبيرة جديدة للصوت، وهو أقرب للحظر.
نحن مطالبون، خاصة كفلسطينيين في الداخل، بالتعامل بحذر وبمنتهى المسؤولية مع هذه الظاهرة، كي لا نساهم في تشويش الرأي العام عندنا، وتضييع البوصلة. فمحاربة السياسة العنصرية الإسرائيلية والتصدي لها يتطلبان التعالي على المكاسب الشخصية الذاتية، والارتقاء إلى مستوى متطلبات المصلحة الوطنية الجماعية، كي تكون الوقفة أكثر متانة وتصلبا في وجه أخطر سياسة عنصرية يعرفها العالم المعاصر.

التعليق