عيسى الشعيبي

مغزى المبادرة العربية لحل الأزمة السورية

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

باستثناء رئيس بعثة المراقبين العرب الذين سيبدأون هذا اليوم مهامهم الشاقة في بعض المناطق السورية الساخنة، ليس هناك من يصادق على تفاؤل الفريق محمد مصطفى الدابي إزاء مستقبل المبادرة العربية، التي جوبهت بسلسلة طويلة من المراوغات والتمنعات قبل أن يعلن المتورطون في قتل الأطفال والنساء وتصفية المعتقلين وانتهاك الحرمات، عن قبولهم على مضض باستقبال هذه البعثة.
ومع ذلك، فإن بوسع المراقب الموضوعي أن يعول كثيراً على وصول أول لجنة مراقبين من نوعها إلى البلد الذي أحكم الإغلاق على نفسه، ومنع الإعلام ولجان حقوق الإنسان الدولية من نقل صورة ما يجري من مجازر رهيبة ضد شعب يطالب بالحرية والكرامة الإنسانية، ليس من منطلق اعتقاد ساذج أن المراقبين سيشكلون قيداً على أيدي النظام المتوحش، وإنما لأن وصولهم يسجل سابقة لها ما بعدها في صيرورة المشهد كله.
ذلك أنها المرة الأولى التي ينصاع فيها نظام معتد بنفسه إلى حد الغرور، ومزهو بصورته في مرآة ذاته، لإرادة عربية دولية شاملة ترفض الأخذ بروايته المعتمدة على نظرية المؤامرة الخارجية، ولضغوط داخلية وخارجية أملت عليه استقبال بعثة مراقبين سبق أن وصف أعضاءها بأنهم جواسيس، وعقد المقارنات بينها وبين اللجان الدولية التي عملت في العراق قبل نحو عقدين، في إشارة إلى ما تمثله هذه اللجنة، وما تنطوي عليه مهمتها من انتهاك فظ للسيادة الوطنية.
وهكذا، فقد سجل التوقيع على البروتوكول الخاص بعمل المراقبين العرب، سابقة ضعف غير مسبوقة في تاريخ "سورية الأسد"، وأعطى أول إشارة رسمية على انكسار إرادة النظام المفرط في حساسيته إزاء صورته الخارجية، كلاعب مركزي بارع في محيطه الإقليمي، درج فيما مضى من عقود فائتة على التدخل بشتى الأشكال في الملفات اللبنانية والعراقية والفلسطينية وغيرها، بدون أن يكون ذات مرة ملعباً يتبارى الآخرون عليه وعلى أديمه.
وأكثر من ذلك، فقد كان قبول النظام السوري، ولو لفظياً، بالمبادرة وبعثة المراقبين، دليلاً قاطعاً على انتقال النظام الممانع من وضعية الهجوم السياسي على ما يسميه بالمؤامرة الكونية ضده، إلى حالة دفاعية متراجعة، وضعته تلقائياً في سياق تصادم أوسع نطاقاً من ذي قبل مع العرب المدركين سلفاً لمراوغاته المكشوفة، وأسقطت ذرائعه، وبددت كل ما كان يحرص على شرائه من وقت مستقطع قبل أن تحين لحظة الحقيقة وتصبح الأزمة الدامية قضية دولية.
ليس هناك من شك في أن قبول النظام الأمني المتوحش بهذه البعثة التي يصعب على أعضائها إتقان السباحة في بحر المراوغات والمحاججات والأحابيل المعهودة، يشكل في حد ذاته علامة فارقة في مسار أزمة يعمل عنصر الوقت على مفاقمتها، حيث سيجري تدوين فترة وجود البعثة المقدر له ألا يطول أكثر من شهر واحد، على أنها فترة فاصلة بين زمنين من عمر الأزمة، التي من المرجح لها أن تفتح فيما بعد الباب واسعاً أمام عملية تدويل تنذر بكل الاحتمالات الصعبة.
وهكذا، فإن المغزى الذي تنطوي عليه بعثة المراقبين العرب هذه، يعد أكثر أهمية مما قد ينطوي عليه عملها ذاته، حيث يشير المغزى على نحو لا لبس فيه إلى حقيقة أن الأزمة الداخلية ذات الحدود المقدسة كابراً عن كابر، لم تعد من الآن فصاعداً شأناً سورياً خالصاً، يمنع على كل من "هب ودب" التدخل فيه أو كل رعديد لئيم التداول به، فيما لن تتعدى تقارير البعثة غير المرحب بها أساساً، تسجيل غيض من فيض سيل الحقائق المرعبة، التي سوف يطعن بها الطاعنون سلفاً، ويكذبونها من على شاشة التلفزيون الخشبي ذاتها، من دون أن تتمكن النوايا الحسنة من إيقاف ماكينة الموت المتنقلة.

التعليق