علاء الدين أبو زينة

الانتخابات الطلابية بين زمنين!

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

قال صديقي: عندما كنت طالباً في الجامعة الأردنية في الثمانينيات، أقنعني الزملاء بالترشح لعضوية ما كان يعرف حينذاك باسم "الجمعيات الطلابية". وكان نشاط تلك الجمعيات يقتصر عادة على تنظيم الرحلات وحفلات التخرج وإصدار مجلة حائط. كنت ما أزال غضاً في السنة الثانية من الدراسة، ولم أعرف أنّ هذا الترشح سيفتح عليّ باباً غير محمود؛ فما إن ظهر اسمي على قوائم الترشح، حتى ناداني شخص من بين أصدقائي في كفتيريا الجامعة، وقال إنه من الأمن الوقائي، وإنهم يريدون التحدث معي بضع دقائق. وذهبت معه وزميل له غير متمالك نفسي إلى غرفة في حرم الجامعة لم أتوقّع أبداً أن تكون غرفة تحقيق.
من دون تفاصيل، فهمت من فحوى الأسئلة واللهجة القويّة أن للمسألة علاقة بترشحي للانتخابات، والتي عنَت فيما يبدو أنني لا بدّ أن أكون منتمياً لتنظيم سياسيّ بالضرورة، ويريدون معرفته. والحقيقة أنّني لم أكن كذلك، وكنتُ أنظر إلى عضوية الجمعية كطريقة للتميّز وبعض الشهرة. لكنّ ذلك الترشح كلّفني فترة طويلة من المراجعة اليومية لتلك الغرفة في الجامعة، والانتظار أحياناً من دون أن يسألني أحد عن شيء فترة قبل أن يقولوا لي: تعال بُكرة الساعة 12. وفي كلّ ذلك الوقت، تلبستني الهواجس والخوف وأنا أتوقع أن يعتقلوني في أيّ لحظة، وانتهى الأمر بأن رسبتُ في المواد التي لم يصدّق مدرسوها روايتي عن التحقيقات، وكان تحصيلي الدراسي مُريعاً قبل أن يقولوا لي أخيراً: "آسفين، ما عليك إشي، بس دشرك من السياسة والكلام الفاضي!" (انتهت حكاية الصديق).
وقبل أيّام، بعد 27 عاماً تقريباً من حادثة صديقي، قال لي ابني إنّه لا يريد الذهاب إلى جامعته في ذلك اليوم، لأنّ هناك انتخابات طلابية ستجرى هناك. ولا أكتمكم سرّاً، أشعرني ذلك بالارتياح والاطمئنان عليه، أنا الذي شهدت عندما عدت إلى الجامعة ثانية قبل عشر سنوات أجواء الرعب والمعارك التي تنشب في مثل هذه الأيام. وقد اضطررنا في أحد تلك الأيام إلى تهريب الزميلات والأستاذة مدرسّة المادة من باب خلفي، ثم بالسيارات إلى خارج حرم الجامعة. وقد سمعنا الصراخ والتحطيم، وشاهدنا الذين يركضون بالهراوات في ممرات المباني.
لكنني لُمتُ نفسي بيني وبين نفسي مع ذلك: أنا الذي أتحدّثُ عن الديمقراطية وأكتبُ عنها، أرتاحُ لأن ابني يُغرّبُ نفسه عنها ويخافُ منها؟ أما كانَ ينبغي أن أحثّهُ على المشاركة والتدرُّب على الانتخاب؟ واكتشفتُ في وراء وعيي إحساساً بعدم جدّية الانتخابات وجدواها، إضافة إلى التبرير الغريزي المتعلق بحماية الأبناء من الخطر. الانتخابات خطر؟! يبدو أنها كانت خطراً قبل ثلاثة عقود، وما تزال خطراً بعد جيل!
الفارقُ بين الزمنين هو أنّنا لم نكن نشهد في الجامعات في الثمانينيات مشاجرات بين الطلبة. كانَت هُناك نوعيّة مختلفة من الطلبة الجامعيين، لها صلة بالثقافة والمعرفة والجدّية الأكاديمية. وكانَ التنافسُ يجري حينذاك على أساس الخلفيّات العقائدية إن شئتم، وبرامج فكرية. أما التناقُض، إنْ صحت تسميته كذلك، فكان بين أفكار واعيَة وطموحة لدى الطلبة، وبين عقل يعتقد بأنّ السياسة لا علاقة لها بالدراسة، وأنّ فهمها ومزاولتها ليست شؤوناً تخصّ طلبة الجامعات. تخصُّ مَن إذن؟!
اليوم، ساءَت نوعيّة الطلبة في الجامعات لأسباب نعرفها جميعاً، وليسَ أقلها جور معايير القبول، ورداءة التثقيف، وعدم الجدّية في التعاطي مع تهيئة البيئة الجامعية لتؤثر إيجابياً على مستوى التحصيل الأكاديمي والخبرة الحياتية. وترافق مع ذلك تحوّل أسُس التنافس الانتخابي من البرامج والخطط إلى العُصبوية العائلية والقبَليّة. ونجم عن الحوادث المخجلة المتكرّرة أيام الانتخابات في الجامعات أن أصبَح حدث الانتخابات في ذاته مزعجاً ومُرعباً، ويجعل المرء يلعنُ اليوم الذي اخترعوا فيه فكرة الديمقراطية. وفَوق كلّ ذلك، لا تريد الجامعاتُ والمعنيّون أنْ يلامسوا جوهر هذه المسألة الاستراتيجية التي تتعلق بمستقبل الأردن وناسه، لا أقلّ.
إذا كانت نحو ثلاثين عاماً قد ذهبت بفكرة الانتخابات الطلابية، وبالتالي خبرة الانتخابات ككلّ هذا المذهب، فمتى نتوقّع أنْ يصلُح حالُنا وعقلُنا بحيثُ نوقظ أبناءنا باكراً حتى لا يفوتوا يوم الانتخابات؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »............. (Bisan Alghawi)

    الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    ملح ع الجرح