هاني البدري

نشرات الأخبار السعيدة

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

ماذا أكتب؟!.. سألت نفسي مطولاً، في خضم كل هذه العناوين المتاحة على الساحة العربية الراهنة. حول ما يجري في سورية من كوميديا سوداء تنعق للخراب وتُجَمِلُ مشهد القتل اليومي الدائر هناك، أم عن التفجيرات الخلاقة التي استقبل بها المراقبون العرب، أم عن الثورة الليبية وما آلت إليه تحت عنوان تصحيح المسار؟ أو لعلي أكتب عن الثورة المصرية التي أكلت أبناءها ومعهم مصر كلها بتاريخها وتراثها وعلومها وخفة دمها.. عن المشهد الذي لا يَكلُ في اليمن، أم عن عودة التوتر الى العراق بعد أربع دقائق فقط من مغادرة آخر جندي أميركي؟
عن ماذا أكتب؟ عن تفريطنا "الأزلي" بذهبية كرة القدم في نهائي البطولة العربية في الثمانين ثانية الأخيرة، بعد أن أفقدتنا المنشطات بضع ميداليات متواضعة أخرى؟ عن المئة وثمانين طناً من البندورة المصدرة إلى إسرائيل؟
حين كنت أسأل نفسي كل تلك الأسئلة، وقعت عيني على شريط الأخبار في إحدى فضائيات الدراما السورية. كان الشريط يحمل من الأخبار ما لا يمكن أن يخطر على بال بشر! "نتائج الإنتخابات البلدية تعكس شفافية ونزاهة كبيرتين.. الدولة الفلانية تُشيد بوضع حقوق الإنسان في سورية وبنزاهة الإنتخابات المحلية.. الاقتصاد السوري في أفضل أحواله، مسجلاً أرقاماً قياسية من النمو.. مظاهرات في نيويورك تطالب بإسقاط النظام الأميركي..".
إذن، هي نشرات الأخبار التي تُقَصر أعمارنا وتبث فينا بؤساً لا يكاد ينتهي حتى نقبع من جديد أسرى لنشرات أخرى جديدة لا تحمل إلا الكذب وقصص الموت والخراب، فنزداد بؤساً على بؤس.
على الجانب الآخر، حيث قنوات الأخبار المستقلة أو التي تروج عن استقلالها، لا تمر نشرة أخبار ولا تحصد معها بضعة آلاف من أرواح البشر وبضع مئات من الملايين بسبب الخسائر والكوارث والانتكاسات.
قصدنا مرةً لإحصاء القتلى والضحايا في إحدى نشرات الأخبار لقناة عربية مؤخراً، فكان العدد مذهلاً! قتلى بالآلاف، وجرحى ومخطوفون ولجوء ونزوح؛ ضحايا كوارث ومصابون في حوادث. عشرات الآلاف في نشرة واحدة لا تتعدى الساعة، ورغم ذلك نزداد كل يوم إصراراً على متابعة النشرات وملاحقتها على الشاشات تباعاً.
اندلعت.. وقُتل.. وانفجرت.. سقط.. وشب حريق.. وانهار.. وشنت.. وداهمت.. واشتبك.. وارتفعت حصيلة ضحايا.. أوليست هذه قيم الأخبار التي تعلمنا أنها مذهب يجب أن نسلكه في بناء الأخبار؟ ماذا عن القيم الأخرى للمشاهدة؟
قبل أيام، اقترح زميل إعلامي عربي أن تُبث يومياً نشرة أخبار عربية سعيدة لا تحمل من الأخبار إلا التي تُفرح القلب وتنعش الوجدان، وتؤسس لعهد جديد من تعاملنا وفهمنا للأخبار، لعلنا وقتها نتخلص من الوجوم المُزمن بسبب نشرات الأخبار التي أصبحت هاجساً يومياً يأسرنا.
ورغم وجاهة الاقتراح وما قوبل به من اهتمام وترحيب على صعيد مسؤولين إعلاميين عرب، إلا أن ثمة مشكلة تمثل أمامنا بإلحاح حول ما إذا كنا قادرين على إيجاد أخبار سعيدة لتشكل ساعتنا الإخبارية.. بل من أين نأتي بها؟!
من مصر التي فرحت بثورتها بضع ساعات حتى آلت أوضاعها الى ما نراه اليوم، أم من ليبيا التي تحول إنجازها التاريخي الى أزمة وحدة واستقرار؟.. من الصومال التي يموت فيها الآلاف كل يوم فلا نعرف عنهم، لأن أحداً لا يبث تقارير إخبارية من هناك، أم من فلسطين التي ما تزال رغم "أخبار" المصالحة تعاني من انقسام الجغرافيا والمواقف وضغوط الاحتلال، وتفرح لصفقة أسرى اختارتهم إسرائيل بطريقتها ليكون معظمهم ممن اقتربت نهاية محكوميتهم؟
من أين نأتي بالأخبار السعيدة لنُثري النشرة الإخبارية الجديدة؟ يقولون إن سورية تؤكد إصرارها على السير في مسيرة الإصلاح، ولن "تثنينا" أي جهة عن ذلك.. أوليس ذلك خبراً سعيداً؟ ولكن، من ذا الذي يريد أن يثني سورية عن الإصلاح؟ ويقولون إن ايران كشفت مؤخراً عن قدرات عسكرية خارقة في مناوراتها الأخيرة.. أوليس ذلك خبراً سعيداً، ولكن لمن؟!
أقول لكم.. دعونا من النشرات السعيدة، فإن البحث عن أخبار لها ستكون مهمة شبه مستحيلة. ولنتابع نشرات الأخبار الساخنة، ففيها ننفث غضبنا، ومن أخبار رؤساء عرب في صدر النشرة نستلهم أحلامنا التي سنشرع بها عندما نضع رؤوسنا على الوسائد لننام طويلاً.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماذا بعد (طارق الشواوره)

    الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    شكرا للكاتب الكبير هاني البدري انا بصراحه من شهر اعتزلت الاخبار وانا مكرس كل وقتي لنفسي
  • »نشرة أخبار سعيدة (فرحان)

    الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    1. «إسرائيل مرتاحة للسلفيين» كان هذا ملخص التقارير الإعلامية والردود الرسمية التى علقت بها تل أبيب، إعلاما وسياسيين، أمس على تأكيد حزب النور السلفى احترامه اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين الجانبين.
    2. أسعار خدمات مراكز التجميل النسائية في السعودية الأغلى عالمياً.
    3. محمد عبده ينتظر طفلا من زوجته الفرنسية.
    . في الأردن الحد الأدنى للأجور 190 ديناراً اعتباراً من شباط المقبل .
    5. لسجن 10 سنوات لأميركي اغتصب كلب ’شيواوا’ !