الأحزاب "اليسارية والقومية" إلى أين؟

تم نشره في السبت 24 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

فكّت الأحزاب اليسارية والقومية التاريخية (حشد، والشيوعي، والوحدة الشعبية، والبعث) تحالفها مع الحركة الإسلامية، وشكلت إطارا خاصا يجمعها. لكنها لم تنسحب من "لجنة تنسيق أحزاب المعارضة" التي تجمعها فقط مع حليف الأمس. انفكاك خجول يعكس الحنين إلى اللقاء من جديد.
مظلة "لجنة التنسيق" كانت مناسبة للطرفين في ظروف ومعطيات الأمس -وحدة المضطهدين- أما اليوم فتبدلت الحال واختلت الموازين، ولم يعد الإسلاميون بحاجة إلى تحالف مكلف. لم تكن الشراكة (التحالف) بينهما على كل حال تتعدى الإعلان السياسي وأشكال التعبير عنه. وعندما يتعلق الأمر بانتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية، فليس للتحالف مكان، باستثناءات محدودة في بعض النقابات المهنية لاعتبارات خارجية.
الخلافات بين الإسلاميين والأحزاب اليسارية والقومية كانت موجودة، لكنها استعرت مع انطلاقة الربيع العربي، حيث شعر الإسلاميون بعبء "الحلفاء" والحاجة إلى التحرر من القيود والمجاملات في إدارة الصراع مع الحكم. وتعمق الخلاف ووقع الفراق أخيرا بسبب تضارب المصالح في الموقف من "الثورة السورية"، حيث انفردت الحركة الإسلامية في دعمها اللامحدود للثورة السورية، وتبنت خطاب المعارضة السورية بالكامل. بينما تموضعت الأحزاب اليسارية والقومية في المنطقة الرمادية.
الفك والتركيب في تحالفات الأحزاب اليسارية والقومية التقليدية لم يغير كثيرا في الخريطة السياسية المحلية. فالأحزاب التي استقلت عن الحركة الإسلامية، وشكلت إطارها الخاص، لم تخرج من عباءة "الجبهة الوطنية للإصلاح" التي يهيمن عليها تحالف الحركة الإسلامية مع السيد أحمد عبيدات. وأثبتت تجربة "الجبهة" أن الأحزاب اليسارية والقومية فاقدة للتأثير فيها، باعترافات قيادات هذه الاحزاب. والنتيجة: "عند عمك طحنا".
الأحزاب اليسارية والقومية التاريخية مطالبة بمراجعة سياسية وفكرية وتنظيمية جريئة وعميقة لواقع تجاربها وتحالفاتها. ولم يعد يشفع لها ويؤمن لها الجماهيرية والدور تاريخها وتضحياتها الكبيرة. إنها مطالبة بالإقدام على هذه المراجعة المؤجلة كشرط للانطلاق نحو آفاق سياسية أرحب، والخروج من عقلية الضحية والمعارضة العقائدية إلى فضاءات العمل السياسي والاجتماعي الأرحب. وهي مطالبة بالالتفات حولها، والتواضع في قراءة الخريطة التي أصبح يتشكل منها "التيار اليساري والقومي"، وأن تلحظ هذه الأحزاب أن هناك تجمعات ومجموعات ونشطاء مجتمع مدني من خارج أطر هذه الأحزاب، ينشطون ولهم ثقل سياسي وشعبي وازن يعتد به، ولهم امتدادات وحضور فاعل في البرلمان والمحافظات ومؤسسات المجتمع المدني على اختلافها. وقد أفرز الحراك الشعبي أطرا وقيادات محلية لها دورها وسمعتها وحضورها.
كثيرة هي القوى والشخصيات والنشطاء الذين يؤمنون بالدولة المدنية وبالديمقراطية البرلمانية وبالعدالة الاجتماعية، وهي القواسم المشتركة الكبيرة التي يجمع عليها الديمقراطيون على اختلاف مشاربهم الفكرية وأصولهم التنظيمية.
لماذا لا تضع الأحزاب اليسارية والقومية التاريخية نصب أعينها التفكير "خارج العلبة"، وتوسيع قاعدة تحالفاتها والسعي إلى بناء أطر مرنة تسمح بتجميع أكبر عدد من مكونات العائلة الديمقراطية للعمل المشترك، وخوض المعارك السياسية والانتخابية بشكل جماعي، خدمة للأهداف المرحلية النبيلة التي تُجمع عليها قطاعات واسعة من الناس؟ التطورات السياسية المتسارعة أصبحت تدفع الناس إلى التجمع في كيانات سياسية، ومن الحكمة توسيع دائرة التفكير.
وفي السياق، يجري التحضير للإعلان قريبا عن "التحالف الديمقراطي الاجتماعي"، بمشاركة نواب حاليين وسابقين، ومثقفين، ونقابيين، وشباب ونساء من الحراك الشعبي، ممن يؤمنون بالفكر الديمقراطي الاجتماعي والدولة المدنية التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صح لسانك (عادل لبابنه)

    السبت 24 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    ملاحظات قيمه وتشخيص واقعي ورؤى ثاقبه الاحزاب اليساريه والقوميه لن تتقدم اذا لم تخرج من كوخها المنغلق على ذاتها الى الفضاء الجماهيري الاوسع والارحب.