التنمية المستدامة أولوية أم ملح تركي؟!

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

كثيرا ما تتداول النخب، وبإصرار كبير، تعبير "التنمية المستدامة". وعلى أهمية الموضوع وسلامته من حيث المبدأ، إلا أنه يبدو كتعبير "مترف"، وبعيد عن أولويات اصطلاحاتنا أو ممارساتنا كشعوب عربية، فما السبب؟
إن التنمية المستدامة كمفهوم تعني "تطوير الأرض والمدن والمجتمعات، وكذلك الأعمال التجارية، بشرط أن تلبي حاجات الحاضر من دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها". إذن، هي عملية نبيلة بلا شك، تدعو إلى إحداث تغيير في المجتمعات، معتمدة على دعائم اقتصادية وبيئية واجتماعية محورها وهدفها الرئيسي هو الإنسان.
إننا نعتقد أن سبب عدم اهتمامنا بهذا المفهوم يعود إلى إدراكنا الكلي وقناعتنا بغياب الإرادة السياسية محليا ودوليا لتحقيق تنمية مستدامة عادلة. وتعود قناعتنا هذه إلى غياب المنظومة الأخلاقية عن أساسيات الحوار حول التنمية المستدامة، وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم جعل حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ومبدأ سيادة الإنسان على موارده قاعدة أساسية لجهود تحقيق تنمية مستدامة وعادلة. وحيث يكون محور محو الفقر والظلم مفقودا، فإن التنمية لن تستديم.
إن من أهم الدلائل على غياب الإرادة السياسية هو الإهمال الكلي لموضوع الزراعة والأمن الغذائي في بلادنا العربية. فمع أن 43 % من سكان العالم العربي يعيشون في المناطق الريفية، و70 % من الفقر العام يتركز فيها؛ ومع أن 28 % من مجموع السكان في العالم العربي يعملون في الزراعة، إلا أن أقل الأقاليم على صعيد الاكتفاء الذاتي هو إقليمنا، ومدة أمننا الغذائي هي ستة أيام فقط، نضطر بعدها إلى الاستيراد. وقد يقول قائل إن السبب هو قلة الماء ونقص الموارد، ولكن الحقيقة أن السبب الأساسي هو السياسات العامة والإرادة السياسية المفقودة. وأعطي مثلاً هنا مصر التي كانت العام 1955 نسبة الفقر فيها 56 %، فاتجهت لحماية المزارعين الصغار ودعم الزراعة، فانخفضت نسبة الفقر العام 1965 إلى 23 %. ولكن عندما جاء البنك الدولي رافعاً شعار "التجارة لا الحماية"، ارتفعت نسبة الفقر من 21 % العام 1990 إلى 44 % العام 1996، وفقدت مصر 700,000 فرصة عمل في القطاع الزراعي.
ونريد هنا أن نؤكد على ما تمارسه الدول الكبرى من ازدواجية في المعايير في موضوع الزراعة. فحينما تصر علينا كي نرفع الدعم عن المزارعين ونحرر تجارتنا ونفتح أسواقنا برفع وإزالة التعرفة الجمركية عن المستوردات، تصر تلك الدول على دعم مزارعيها وحماية أسواقها. ولا ننسى هنا استغلال مفهوم التنمية لتحقيق مزيد من الأرباح للشركات الضخمة عابرة القارات، غير الادعاء بأن التعديل الوراثي أو الوقود الحيوي، مثلاً، هي وسائل للتنمية الزراعية ولإطعام الفقراء ولحماية الطبيعة من ثاني أكسيد الكربون، بينما هي المستفيد الأكبر من أرباحها على حساب الفقراء والأمن الغذائي العالمي. ولا ننسى هنا براءات اختراع التكنولوجيا.
أما حكوماتنا العتيدة فهي اللاعب الرئيسي في فشلنا في تحقيق التنمية المستدامة. فبالإضافة إلى أنها تفتقر للإرادة السياسية، فهي غير مهتمة بموضوع الإصلاح الزراعي ومواجهة المضاربات وإعادة الاعتبار لصغار المزارعين، وهي غائبة كلياً أيضاً عن المنابر الدولية كشريك فاعل وحقيقي؛ أفعالها هي ردود فعل لإملاءات خارجية، يغيب فيها التخطيط الحقيقي الذي يعكس الحاجات الحقيقية لشعوبها، وتتسم بعدم إشراكها المجتمع المدني إشراكاً حقيقياً، وأهم من كل ذلك على الإطلاق هو عدم تفعيلها للتكامل العربي اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً، والذي من دونه لا تنجح أي تنمية مستدامة في أي دولة من دولنا. ونظل ننسى أن الحدود رسمها الاستعمار القديم منذ سنوات قليلة، ويعززها بقوة الاستعمار بوجهه الجديد، ألا وهو الوجه الاقتصادي. ولا نكتفي نحن بالتشبث بهذه الحدود، بل نظل نقع في فخ الفتن الطائفية والمذهبية والإقليمية فيما بيننا، ليصبح مفهوم "الفتنة المستدامة" لا "التنمية المستدامة" هو الأكثر جاذبية لنا وواقعية.
أما نحن الشعوب، فبعد ثوراتنا وربيعنا يجب أن نعمل على مأسسة أحلامنا بالشكل الكافي، متنبهين إلى خطورة التمويل الإنمائي غير العادل أيضا. فمع أن معظمه موجه في منطقتنا لتمويل قطاعات غير منتجة، كالبناء والمضاربات والعسكرة وليس الإنتاج، إلا أنه أيضا يساهم في تمويل الحكومات الاستبدادية كمصر في السنوات الفائتة، والتي كانت من أكبر متلقي الدعم التنموي، ومع ذلك فإن 50 % من سكانها يعيشون عند خط الفقر أو أسفله. والأسوأ أن هذا التمويل يساهم في دعم خروقات القانون الدولي وحقوق الإنسان، كما يحصل في إسرائيل التي هي واحدة من أكبر الحاصلين على التمويل الإنمائي العالمي. وتساهم تلك الأموال في بقاء احتلالها، وتدعم الاستثمار والبناء في مستوطناتها المحرمة دوليا.
وقبل إقفال "حدوتة التنمية"، يهمنا هنا الحديث عن التنمية "المزيفة"، والتي أحب أن أطلق عليها مصطلح "Pseudo Development"، والموجهة فقط للاستثمار في قطاع سياحة الخمس نجوم التي تهتم بالجوانب الاقتصادية وتهمل الجوانب الاجتماعية والبيئية، وغالبا لا تستفيد من هذه الاستثمارات سوى نسبة ضئيلة من الشعوب، لا بل تقام على حساب بيئاتهم وغاباتهم وحقوقهم، كما يحصل الآن مع الأسف في الأردن، حيث تقتلع أشجار الغابات لإقامة هذه الفنادق، مع العلم أن الغابات في الأردن لا تتجاوز الواحد بالمائة من المساحة الكلية. وكذلك في لبنان لإنشاء المحاجر. ولم تسهم هذه المشاريع، مع الأسف، في تنمية مستدامة حقيقية للمجتمعات الفقيرة التي ما تزال تعيش حولها.
إذن، نستنتج أن التنمية المستدامة ستبقى خارج سلم أولوياتنا إلا إذا كانت عادلة ومبنية على تكامل عربي حقيقي ومخطط لها من حكومات وشعوب متكافلة تعتبر نفسها شريكة في المجتمع العالمي، روافدها أموال عربية، وإملاءاتها أولويات عربية نابعة من سيادتها على مواردها. وإلا فإنها ستبقى بالنسبة لنا كمثل الملح في عهد الأتراك، عندما كنا ندعوه "طز" أي غير ذي أهمية!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يشتغلون بالفقراء وليس للفقراء (مراقب)

    الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    لماذا نركز دائما أن المشكلة تكمن في السياسات والأنظمة الحكوميه أو هيمنه دول الشمال والإستعمار الجديدوالتمويل الإستعماري وننسي أنفسنا وموقعنا?.
    بدأت أعتقد أن من بين من ينتدقدون ويتفلسفون وخصوصا ممن ينعمون بالسباحة في عسل التمويل الأجنبي من مؤسساتنا الأهليه التى تدعي الإلتحام بالفئه المستهدفه هم السبب وهم المعنيين بالإستدامه للفقر والإستدامه لمد اليد والتسول لأنهم ببساطه معنيين أن تبقي كراسيهم ويبقى الممولون فهم كما يفال يشتغلون بالفقراء وليس للفقراء.
  • »تحليل نقدي رائع مطلوب البناء عليه وتعزيزه ا (احمد الصوراني-غزة)

    الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    واضيف الى ما تفضلت بة الاخت العزيزة م رزان، ان هناك الان حركة نقدية وتحليلية واسعة في الكثير من الجامعات ومراكز ابحاث التنمية العالمية حول ما يعرف " بالمنظومة المذهبية للتنميةDevelopment Paradigme" فالتنمية -حسب هذا النهج النقدي- باتت بلا اهداف وابعاد اخلاقية وانسانية ولا تتضمن المساحات الكافية لشعوب "الجنوب" للمشاركة الفاعلة فيها وتقرير مسارها بما يخدم اهداف وتطلعات تلك الشعوب الفقيرة والمقهورة والمظلومة، وادت بنتائج غالبا ما كانت عكسية مثل زرادة معدلات الفقر وتعزيز نهج الاعتماد على الغير وتردي مستويات التعليم والصحة وتراجع حقوق الانسان وتكريس هيمنة دول الشمال وتزايد الصراعات السياسية والحروب والاستغلال الاقتصادي العالمي عبر الشركات العالمية ، وحسب احد علماء الاجتماع والتنمية الاوروبيين روبرت تشامبرز باتت التنمية تفتقر الى البعد الاخلاقي الانساني كما يرى تشامبرز ان التنمية تفتقر الى روح الايثار ووصف "التنمية" بالاستعمار الجديد Neo-Colonialism والمطلوب اعادة النظر في النهج التنموي الحالي الذي روجت له الدول الاستعمارية بعيد انهاء مرحلة الاستعمار القديم، ونحن في العالم العربي في امس الحاجة الى مراجهة هذا المفهمم من جذوره والتداعي لصياغة "منظومة مذهبية" جديدة للتنمية نابعة من واقعنا وتطلعاتنا العربية في مستقبل عربي مشرق وبمساهمة ومشاركة فاعلة من المواطن العربي الحر باعتبارة الوسيلة والهدف لاي تنمية محتملة تستند الى ذخائر ومقدرات ومصادر مجتمعنا المدفونةوالمغيبة والمحجور عليها برعاية غربية في خزائن انظمتنا العربية ... وقد ان الاوان لفتحهالتنطلق من جديد بروح الربيع العربي الاصيل .احمد الصوراني_غزة-فلسطين
  • »تحليل دقيق وموضوعي . (Ameera Yaaqbeh)

    الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    وحبوب سنبلة تموت , ستملاء الدنيا سنابل.