علاء الدين أبو زينة

التبرع بفلسطين.. "خطأ تقني"!

تم نشره في الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

تعوّدنا في كتاب الخرائط المدرسي أن نرى خريطة فلسطيننا كاملة كما كانت دائماً، متكئة مثل سيف عريض النصل على خاصرة المتوسط. وللتوضيح فقط، كانوا يرسمون خطاً وهميّا متقطعاً حول الأجزاء التي قضمها العدوّ في حزيران (يونيو) 1967: الضفة الغربية وغزة. ولم يمثل هذا الخط التعليمي لنا، عرباً وفلسطينيين، أكثر من ندبة جرح، من النوع الذي تتركه مدية وحشية على جِلد الجسد المعتقل والمعذَّب كلّه.
بالنسبة لنا نحن، الذين نعرف وجيعتنا ونعرف الأصيل من الطارئ، لم يكن ما حدث في العام 1967 سوى فصل آخر من حكاية سوداء، أسميناه النكسة لنضيفه فقط إلى النكبة الكبيرة التي حلّت بنا في العام 1948. وليس من العيب الشائن فقط، وإنما من منتهى مجافاة الواقع والحقيقة، أن يقول قائل منّا إن فلسطين كلها، من البحر إلى النهر، ليست للفلسطينيين، وليست فلسطين! كيف ذلك وما يزال الذين هُجّروا تحت سياط الرّعب والمؤامرة أحياء يتوزعون على جهات الأرض، ويحتفظون بمفاتيح البيوت وصناديق العرس، ويحكون بالتفصيل عن كل شجرة وبيت ودرب!
لسبب يُدعى "البراغماتية السياسية"، وأحياناً "الواقعية السياسية"، قرّر أناس منفصلون عن الحقّ والواقع أن يقبلوا بـ"الأمر الواقع". وتحت ذرائع "التكتيك المرحلي" و"خذ وطالب" فرطوا بآمال الفلسطينيين أصحاب الأرض وتاريخهم وأشواقهم، وقالوا بفلسطين الصغيرة، المُحاصرة مقطعة الأوصال على 22 % من فلسطين الـ100 %. وبكلّ المقاييس البراغماتية والاستراتيجية والعّملية، كانّ هذا أكثر من خطأ تكتيكي وجهل سياسي: كان جريمَة في حقّ أهل فلسطين، وفي حقّ كل ما نعرفه عن العدالة والتاريخ والواقعية. والمضحك المُبكي في كلّ ذلك، أن كل هذا التنازل -أو التآمر الواضح على الذات- لم يجلب أيّ مكسب مرحلي ولا تكتيكي على الإطلاق. كانت نتيجته فقط هي الآلام والفواجع والمهانة التي دخلت كل بيت فلسطيني، ونفسَ كلّ عربي. وفوق ذلك، صرنا نحن نقول للعالَم: فلسطين هي فقط الضفة الغربية وغزة، سامحونا لأننا كنّا أخطأنا وقلنا إنّ أرض 48 ليست لليهود حلالاً زلالاً!
ماذا كان سيحدُث لو قلنا دائماً إنّ فلسطين قد احتلّت أولاً في العام 1948 ثم احتلّ الباقي منها في العام 1967؟ هل كان العالم سيقول عنّا إننا مجانين؟ إنّهم يقولون عنّا ذلك على أيّ حال، كما أنّ دماء الذين ذبحتهم عصابات الصهاينة في القرى والبلدات الفلسطينية لدى احتلال فلسطين الأول لم تجفّ بعد، ولم يخرج الفلسطينيون من فلسطين قبل ثلاثة آلاف عام حتى ننسى وينسوا الحقيقة الواقعية جداً.
كنّا نحاول أن نتفهّم الخطاب السياسي الرّسمي العربي، على علاته، الذي يُطالب فقط بجزء صغير من فلسطين، باعتباره حيلاً سياسية. وكنّا نعوّل على التاريخ والجغرافيا لتُعيد الأمور إلى نصابها على المدى الطويل. ولَم يكن ذلك يعجبنا، لكنّ ما باليد حيلة. لكنّ إزالة فلسطين التاريخية من كتب الخرائط والجغرافيا لم يَكُن في الحُسبان! كان بالوسع، على الأقل، الاحتفاظ بالخريطة في غفلة عن عين العالَم المتربص بنا، لترسخ في عقل الأبناء هكذا كاملة كما نعرفها، ولنقول للعالم أننا نعرفها هكذا، لأنّها هكذا.
لا ينبغي أن تمرّر دولة عربية شقيقة، في حدث كبير يستقطب العدسات والانتباه، رسم فلسطين "مسخوطة" في خريطة رسمية. ولا ينبغي التبرُّع بالمساحة الكبيرة المغتصبة، رسميّاً، لكيان الاحتلال بالمجان. ومن الجميل أن يكون هناك من انتبه إلى هذا الحدث، ولو أنه غير منفصل عن سياق متصل من التفريط المُخجل والمستمرّ بفلسطين. ولا شكّ بأنني أشعر بالخجل شخصياً وأنا أعتب على الأشقاء، وأنا أعرف أن من "ممثلي الفلسطينيين" من يصرحون علناً بأنّ فلسطين هي فقط أرض 1967، ويَعدون بتوقيع سند تسجيل 88 % من أراضي الفلسطينيين اللاجئين المُشردين للغُزاة، مرّة وللأبد.
قرأتُ على أحد المواقع أن مسؤولاً عن اللجنة المنظمة للحَدث في الدولة الشقيقة، قال إنّ رسم فلسطين ناقصة ثلاثة أرباعها كان "خطأ تقنياً" من الشركة المنظمة للحدث. وللحقّ، لم يكن هذا المسؤول الصغير معنيّاً بالتبرير. كان ينبغي أن يشير فقط إلى أنّ التنازل عن فلسطين التاريخية، هو خطأ غير تقني، يرتكبه الفلسطينيون الرسميون، والعرب الرسميّون، والعالم الظالم للفلسطينيين!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فلسطين يأبى الحب إلا أنت (خالــد الشحــام)

    الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    بداية ، أوجه كل الشكر لك سيد علاء لذوقك الرفيع في وطنيتك وانتمائك النقي حيث يجب أن تكون.............. بحق فلسطين و في مسلسل الأخطاء والنكبات والنكسات التي ابتلينا فيها منذ نعومة أظافرنا وحتى خشونتها وما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم يمكن تقييم هذه الأخطاء تحت تصنيفين ، الأول يمثل الآخطاء المرحلية والاستراتيجية التي ارتكبت بحق القضية الفلسطينية تحت مظلة الجهل والقصور الفكري وانعدام القدرة على التصور والشمولية لدى القيادات العربية والفلسطينية تاريخيا فتغلغلت التبعات في المستقبل ، الثاني هو الأكثر خطورة والأشد فتكا بالشعب الفلسطيني والأرض الجريحة ويتمثل في جملة القرارات والموافقات التي جرى تنسيقها بالتعاون مباشرة أو غير مباشرة مع العدو نفسه من قبل القيادات ذاتها وعلى مدى عمر القضية بهدف تحقيق مكاسب قصيرة وذاتية أو دفاعية ، النوع الأول من الأخطاء تقلص بحكم السنوات واطرد مكانه النوع الثاني وما نتلمسه اليوم هنا وهناك يماثل التفنن في احكام القبضة على القضية الفلسطينية من كافة الثقوب وحتى المسامات ، هنالك جملة من الثوابت التي لا نزال نصوغ فهمها منذ سنوات ونتخيل في كل مرة أننا اتقنا تحليل واستيعاب المكونات لكن في كل مرة تتولد لدينا صورة أوسع ادراكا وأبعد جذورا ، لم يستطع كيان الشر في المنطقة الوقوف على قدميه دون وجود أرضية جهزت له سلفا منذ خطط لذلك ، وحتى اليوم تطورت أدوات ووسائل هذه الأرضية وأصبحت أكثر تعقيدا وأشمل امتدادا لإسناد الوجودية الركيكة له أصلا ، كل من يعتقد بأننا نواجه عدوا دينيا وكيانا مستقلا يسعى لتكريس فكره ووجوديته بحد ذاته فهو قصير الفهم ، هؤلاء يمثلون نائبا عن الوجه البشع للغرب وجشعه ونهمـه وحلا حضوريا ومستقبليا لكثير من مشاكله ولذلك فالشرايين التي تغذيه كثيرة ومتنوعة الدوافع والوجوه ، زمنيا وحتى اليوم وقعت الاخطاء بحكم الفرق الحضاري والتقني واستكانة من ركام الماضي لأدوات الحاضر ، هذه الأخطاء والهزائم الجغرافية والسياسية في نظرنا هي نتائج مضبوطة سلفا في نظرهم تولدت لزاما لمعادلات القوة والخبرة والتخطيط والتعاطي العلمي السليم مع شعوب عذراء تزحف ببطء في سلم الزمن وهذا لا يعيبها ولكن قوانين البقاء تمنح الأقوى كل المزايا ، وحتى اليوم لا يزال هذا العامل هو الحاسم في الصراع الظاهري بكل صوره العسكرية والاقتصادية والثقافية ، مقابل ذلك اختبر العرب تقنيات فكرية متنوعة داخلية وخارجية لمواجهة هذا الفرق الحضاري وتوفير الدوافع المعنوية لموازنة القوى ولكن الفروق المعنوية لا تستطيع أن تردم فارقا حضاريا عمره مئات السنين من العلم والثقافة والتطور المجتمعي ولا تستطيع أن تواجه قسوة شعوب اختزنت من رصيد الكره والنقمة وسلحتها بالعتاد اللازم لاستعباد البشر ليس في فلسطين وحدها وإنما في كل اصقاع الكوكب حيثما اقتضت المسلمات ، التجهيز والعتاد الوحيد الذي بقي طيلة سنوات الصراع ولم ينجحوا في كبحه هو حب فلسطين وعشق التاريخ القادم من الدين والدنيا ومن أشجار الزيتون العتيقة وقصائد الخريف في حقول القمح ، استطاع هذا الحب أن يكون قصيدة في كتاب وسلاحا في يد مقاتل واسم شركة لفتى مهاجر ، وثوبا ترتديه فلسطينية في عرسها في مانهاتن ، وكذلك وصية نضعها في قلوب أولادنا حين يأتون للحياة ونورا يسلحنا بفطرة البقاء حين تنادي فلسطين.
  • »..... (Bisan Alghawi)

    الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    بتذكرنا بالسكين المغروسة بنص قلبنا و الي اصلا مفروض ما ننساها !!
  • »هذه ارض المحشر (مهموم)

    الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    شكرا للكاتب على المقال. ان كانت قطر قد فعلت هذا قاصدة فهي مصيبة وان كانت قد سهت عنها فالمصيبة اعظم.

    اود لفت نظر الكاتب انه لا يجوز القول بان فلسطين للفلسطينيين . فلسطين ارض وقف اسلامي. ومعنى "وقف اسلامي" انها ملك للأمة الاسلامية وواجب استردادها بعنق كل مسلم فهي ارضنا جميعا وكل مسلم له في هذه الارض المباركة ما للفلسطيني. ولا يحق لكائن من كان (حتى الفلسطيني) ان يتخلى ولو في اعتقاده عن اي جزء منها.
  • »الآراء المذكوره (وليد خرينو)

    الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    عزيزي الكاتب المحترم
    تحيه وبعد،
    لقد لاحظت على هذه الصفحه الجمله التي تقول ( ان الآراء المذكوره هنا تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضروره عن آراء الجريده) انتهى الاقتباس.....
    وبالتالي ايضا" فان مقالك يعبر عن رأييك انت فقط وليس بالضروره ان يعبر عن مجموع الرأي الفلسطيني ، فكلكم يا اصحاب الاقلام المنمقه تعرفون الحقيقه في ضياع فلسطين ومن كان وراء المؤامره ، ولكنكم لا تقولون الحقيقه ، بل تلفون وتدورون حولها وكأن في حلوقكم لفمه لا انتم قادرون على ابتلاعها ولا انتم قادرون على اخراجها، وكلكم تعرفون حقيقة حبة القمح وخريطة فلسطين عندما قال أحد الزعماء العرب للوفد الذي ذهب اليه وابلغه بأن الصهاينه ينوون احتلال فلسطين ، فطلب من ديوانه ان يأتيه بخارطة الوطن العربي ، وبعد ان فردت الخارطه امامه وامام الوفد ، قال لهم اترون مساحة فلسطين ماذا تعادل من مساحة الوطن العربي ..؟؟ وجاء بحبة قمح فوضعها على خارطة فلسطين فغطتها، وقال لهم أرأيتم ..؟ انها تساوي مساحة حبة القمح ، واضاف لا تحزنوا ولا تهونوا فأنت الاعلون، سوف نقوم بتحريرها نحن العرب على الفور في حال احتلالها، اذهبو وحطو في بطونكم بطيخه صيفي
    فذهب الجمع وتفرقوا حيث كان ذلك في العام 1947 ، ومنذ ذلك الوقت والشعب الفلسطيني لا زال يحمل في بطنه البطيخه الصيفي ، ولذلك يا أخي علاء اقول لك اذا كانت خارطة فلسطين في ذلك الوقت قد حبة القمح في رأي ذلك الزعيم التاريخي ، فما بالك باليوم..؟ وكم اصبح حجمها..؟؟؟ وانا اقول اليوم ديرو بالكو على البطيخه الصيفي