علاء الدين أبو زينة

استشراق الذات..!

تم نشره في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

كتبت لي سيدة غربية تقول: "انضممت إلى موقع اجتماعي على الإنترنت، وحاولت التواصل مع بعض العرب لتحسين لغتي العربية، وخاصة من الأردن الذي زرته وأحببته. لكنّ الذين تواصلت معهم كانوا في معظمهم "غير مهذبين"، وقد رأيت حين زرتُ بلدكم أن كثيرين كانوا يتحرشون بي (لأني أجنبية وليس لأني جميلة) -حتى سائق التاكسي. أرجو أن تكتب عن الموضوع" فكتبتُ لها معتذراً. وقلت إنّ الغرب هو الذي يعطي الفكرة بأن نساءه "سهلات" في الأفلام وغيرها، وأن هناك في بلادها من يتحرّشون. وتذكّرت سائِحَين ألمانيين عَجوزََين (رجلاً وزوجته) كنت قد تعرفت إليهما قبل سنوات، قالا أنهما ملآ خزان سيارتهما السياحية من محطة للوقود في غرب عمان، وعادا إلى فندقهما في الشميساني، ليجدا أن الوقود قد نفد. يعني أنّ عامل الكازيّة سرقهما. لماذا؟!
لم أقل للسيدة الغربية إنّ السيدات هُنا أيضاً يتعرضن للتحرش في الشوارع والمواصلات، وإنّ البعض يسرقون مواطنيهم؛ بل ويحاولون قتلهم في المشاجرات الجماعية التي تحولت إلى ظاهرة. ولم أقل لها إنّ البعض يقتلون بناتهم وأخواتهم بـ"الشبهة"، أو لوشاية غير مؤكدة، بينما يعطي الذكور أنفسهم حقّ التعرّف إلى بنات الآخرين، باعتبار ذلك حقّاً طبيعيّاً. ولم أحدثها عن الازدواجية الغريبة في الشخصية التي تفكر بشيء، وتفصح عن آخر. لم أقل ذلك وغيره، غيرةً على الثقافة التي أنتمي إليها، وخشية أن أمارسَ عليها دور "المستشرق" أمام شخص ينتمي إلى ثقافة الاستشراق.
لا أقصد بأيّ حال صناعة تعميمات وتصويرات سلبيّة عن مجتمعنا على طريقة المستشرقين. لكنّ الظواهر التي ذكرت بعضها موجودة وملحوظة، والحديث بيننا. ومن يقول بغير ذلك يدفن رأسه في الرّمل. وقد ناضل مناوئو الاستشراق، مثل المفكر إدوارد سعيد وغيره، في محاولة للدفع ضدّ المقولات الاستشراقية. وقالوا إنّ الشرق ليس شهويّاً، ولا حسّياً، ولا مؤنّثاً، ولا دونيّا، ولا سلبيّاً، وليس من الأطراف على هامش المركز الغربي. فإلى أيّ حدّ تعمل مجتمعاتنا على تأكيد هذه الدُّفوع؟ وهل يستلزم التمايز عن الغرب التناقُض معه على طول الخطّ، وعدم التشارك معه في الإيجابي من سمات الشخصية الاجتماعية، في وقت نستورد منه فيه معظم سبل عيشنا الماديّة؟
في المَشهد الكلّي المتغيّر هنا، تبدو التبعيّة والدونية وأنهما تتسيّدان المشهد ثانية، حتى في عزّ "الربيع". ويجري إقحام الغرب الفوقيّ ثانية في شأننا الخالص، إما باستشارته والاسترشاد بتعليماته من جهة الرسميين العرب؛ أو بسعي المُعارضات المُهاجرة إلى نيل مباركته ومبايعته بأمل العودة إلى أوطانها "المحرّرة" على دباباته. ومرة أخرى يجري حرْفُ مسيرَة الشعوب عن طريق الديمقراطية والتحرُّر وامتلاك أقدارها، وتتكالب مختلف أنواع الوصايات على إرادة الشعوب. وبشكل ما، يعاود الشرق لَطمَ نفسه.
عندما كان الشرق هو المركز، شكّل النقيض الإيجابي للغرب الظلامي. وتمركز العالم هنا حينذاك لأسباب موضوعية: كانت منطقتنا موئل إنتاج المعرفة العمليّة، والتنوير، وفلسفة الأخلاق والحياة، والعلم والإشعاع الحضاري. ولا بدّ أن تكون تلك الريادة قد واكبت مجتمعاً منفتحاً وعقلاً جدلياً وابتكارياً بكلّ المقاييس. أمّا الصورة السكونيّة التي تُرسم لذلك المجتمع الناهض المتحرك، والتي يجري الترويج للعودة إليها الآن، فتتناقضُ مع المنطق مباشرة.
لا شكّ بأن الغرب قد اشتغل، منذ بدء الإمبريالية وحتّى الآن، على تكريس العلامات الاستشراقيّة السلبيّة التي صنعها للشرق، واشتغل على غرس عقدة الدونيّة في نفسيّتنا، مستغلاً تفوقه وهيمنته وأدواته. لكنّ مبدأ مقاومة الاستعمار والتحرُّر، سيفقد معناه من دون تحرير عقلنا الجمعي وسلوكنا من هذه الاتجاهات السامّة. وينبغي البحث عن المسبّبات التي تبرزُ صفات الشهوانية والجنسوية والعنف والتبعيّة والسلبية الفكرية والمعرفية في واقع الشرق، والاجتهاد في معالجة هذه الأسباب البنوية، بدءا من إصلاح التربية والتعليم، وانتهاءً باستعادة الصلات الحميمة بين الجمهور ومشارب التثقيف والفكر وتحريض العقل. أما إذا حَدثَ، على الصُّعد المحلية والإقليمية، أن أعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والعقل السائد بتغيير الشكل دون الجوهر، فإنّ الشّرق هو الذي سيستشرق نفسه ويخذلها نيابة عن الآخر. وسيكرّس عنْ نفسه نفس الانطباعات التي يكرهها في نفسه؛ وسيوفر بنفسه الشروط التي تحبطه وتتركه نهباً لهيمنة الآخر.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »النظرة غير السوية للأجانب (عمر)

    الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    في الصيف الماضي ذهبت إلى البتراء، وكان راكبا معي في الرحلة طالب يوناني يدرس دورة صيفية في جامعة العلوم والتكنولوجيا. ما أدهشني أن تذكرة الدخول للأردني هي دينار واحد في حين أنها 50 دينار للأجنبي. أنا سافرت إلى بلاد كثيرة، ولم ألاحظ تمييز إلى هذا الحد في الرسوم. بل على العكس دائما الرسوم واحدة لكل الجنسيات. هذا التصرف يعبر عن قصر نظر شديد، ويثبت أننا قوم لا نرحم، ولا نحب العدل. نظرتنا للآخرين سلبية، ولا نهتم إلا بأنفسنا. وهي تدل على أننا نفتقد أدنى حد من أخلاق المدنية.
  • »شيء يغيظ جدا. (ماجدة)

    الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    أتفق معك تماما ، من الأمور التي استفزتني وأغاظتني جدا ، عندما قرأت مرة في أحد المواقع الإلكترونية عن الشاب الذي اخترع موقع الفيسبوك ، وطبعا كون ثروة هائلة من هذا الإختراع ، علقت إحداهن أن ركعتي صلاة لها أهم من هذا الإنجاز ! نفس تلك المعلقة كانت لا تتوانى من التعليق سلبيا على بعض الشخصيات المشهورة من الفنانين والفنانات لانهن سود البشرة !
    شيء يغيظ فعلا.
    ما الذي أوصلنا إلى ذلك؟ النظرة إلى الآخر ، النظرة إلى أنفسنا ، النظرة إلى الدين ، النظرة إلى الأخلاق ، النظرة إلى كل شيء ، نظرة مشوهة .
  • »نعاني من تشوه في الشخصيه ... (م.فتحي ابو سنينه)

    الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    كعادتك اخي علاء رائع , وانا جدا من المعجبين بكتاباتك وانتاجاتك ومواضيعها التي اعتبرها اهم من المناكفات والنقاشات السياسيه او التحريض التي في النهايه تذهب هباءا, ان لم ندرس الانسان المعني بكل ذلك وهو المواطن العادي وان لم نحلل شخصيته ونبرز عيوبها وتشوهها ونجد السبل والطرائق لمعالجتها,
    وحبذ لو قرا مثقفينا جميعهم افكار مفكرنا ادوارد سعيد وغيره والتي حللت الشخصيه العربيه وفضحت سياسات الاستشراق الغربيه واهدافها ,
    ان ما نعاني منه اخي هو ازدواجية شخصيه وفكر تستنتج ان المثاليات ليست لنا بل للاخرين , وسوء فهم حول الانا والاخر , وافكار تناقض التصرفات , وتغيير دائم في المواقف حسب الاجواء , وجلد للذات وتحميل الاخرا كل المصائب مع براءتناوعدم مسؤوليتنا , والقيام بافعال تناقض ما ننادي به , وسياسات الافتاء الشخصيه المتنوعه والمتلونه والتي تبيح وتحلل كل شيء للشخص , وتحرم وتنتقد تصرفات الاخرين , مع العقدة الدائمه والمعاناة من الشعور بالنقص ومحاولة التبرير لكل فعل حتى لو كان بسيطا وعاديا وربطه بالشرائع والفتاوي , الشعور بالظلم الدائم والاضطهاد رغم ان صاحبه يمارس اضطهاد الاخر وظلمه , تبسيط انجازات الاخرين امام قدرته على فعل افضل , الاكتفاء بالمعرفه وعدم الحاجه للمزيد , جهل الاخر وعدم الاعتراف بالفضل والجحود , الخلاصه انا من انا افضل من "هو" الاخر , وحضارتي وفكري كانت وما زالت الرائده, وكل فكر للاخر هو مؤامره علي , ودوما انا في موقف الدفاع والتفسير وايجاد الاعذار وابدا لا اخطيء, انسان مشوه الفكر بكل معنى الكلمه لا يعد بالتقدم واجتياز المرحله التي تضعنا على الطريق الصحيح للتقدم جنبا الى جنب مع بقية امم الكون , فعلى سبيل المثال اللذي طرحته افرح في داخلي حين اعلم ان ابني يصادق احدى الفتيات ويلتقي بها دون ان اقبل حتى التفكير ان ابنتي تفعل ما تفعله الفتيات الاخريات وكانهن من كوكب اخر , واصف المجتمعات الغربيه بالاباحيه وانحطاط الاخلاق دون التفكر ان الاخلاق ليست فقط ما يتعلق بالغرائز الجنسيه , وابيح لنفسي تدبير الواسطه لابنائي او نفسي وفي نفس الوقت انتقد الاخرين , واهم شيء انني احتكر الجنة واعتبرها لي والبقيه لا محاله ذاهبه الى النار , فقط لانني مقتنع بشبعي الفكري وسمو معتقداتي بسبب انغلاقي على الاخر , وفي المقابل العكس يجري , وهو الاعجاب المرضي بالاخر وتاليهه هو وحضارته والالتحاق به فكرا وسلوكا ,حتى على حساب المصالح الوطنيه, وتقديس القوه الماديه والاستسلام والاعتراف بان كل ما يحصل هو قدر مقدر وجب الالتحاق به والاستسلام امامه فربما يتغير لون سحنتي الى الابيض ويصبح شعرنا اشقر حتى لو استخدمنا مؤقتا الاصباغ الصناعيه ومفتحات البشره ,
    بؤس على بؤس شخصيه مشوهه بكل المعايير وحتى الاصحاء منا اصبحوا منبوذين ومرفوضين , والمهم اخي علاء ان هذا الواقع كان اقل ماساويه قبل اكثر من ثلاثين عاما , فما اللذي حصل وطرا , فلنناقش , لك ان تقرا كتاب الثقافه العامه للتوجيهي وتستنتج ما يصدمك بضحاله الفكر المطروح وطريقه شرح نظريات فلسفيه عالميه ساميه باسلوب تافه يشوه هذه النظريات "صف حكي للصغار" , ولا شك ان عصور الاستبداد والقمع ولتاليه في المجتمعات الابويه قد اثرت , ولك ان تتصور بعض طروحات الربيع العربي للعوده الى الوراء والهروب الى البدايات عوضا عن مواجهة التحديات المقبله والتضحيه ,
    شكرا