د.باسم الطويسي

بين الحراك الشعبي والعنف الاجتماعي

تم نشره في السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

خلال الشهر الماضي، برز واضحا ارتفاع مؤشر العنف الاجتماعي ليتجاوز بمسافة واسعة مؤشر فعالية وحيوية الحراك الشعبي الوطني، ما أعادنا إلى المربع الأول في الخلط بين الحراك والعنف؛ بين حيوية المجتمع التي تملك قضية تعبر عنها اجتماعيا وسياسيا، وبين ظاهرة غيرمسؤولة تدل على حجم الاختلالات التي وصلت إليها السياسات العامة وعلاقة المجتمع بالدولة.
ومثلما حدث في بدايات الحراك الشعبي، حينما ذهبت اتجاهات رسمية وشبه رسمية إلى عزو الحراك إلى ظاهرة العنف الاجتماعي والتعامل مع الظاهرتين بمقياس واحد وأدوات متشابهة، ورغم أن الأشهر الماضية فرزت بشكل واضح بين الظاهرتين، إلا أننا نلاحظ إشارات جديدة تذهب نحو السير في الطريق ذاتها مرة أخرى، وكأنها تحتاج إلى إعادة الدرس وجر الدولة والمجتمع إلى دفع الثمن مرتين.
لا توجد لدينا مراصد وطنية لرصد ومتابعة الحركات الاجتماعية، وتقديم تقارير شهرية أو ربعية عن مؤشرات هذه الحركات، مثل العنف الاجتماعي أو الحراك الشعبي، والتي على أساسها يمكن فهم التحولات الجارية وتقديمها للرأي العام بشفافية بعيدا عن التزييف ومحاولات الاستثمار والتوظيف السياسي لمصالح قوى سياسية واجتماعية، كما يحدث في هذا الوقت حيث تستفيد أطراف بعينها من عملية خلط الأوراق. خلال الشهر الماضي، شهدت أربع مدن أردنية أحداثا مؤسفة اختلطت فيها فوضى العنف بتعبيرات الحراك الشعبي ومطالبه. وشهدت الجامعات فوضى أخرى تجاوزت 14 مشاجرة كبيرة خلال أسبوعين، امتدت إلى خارج أسوار الجامعات وأخذت أبعادا عشائرية ومناطقية. وازدادت الإشارات إلى أن هذا الخلط قد يكون مخططا له لضرب الحراك الشعبي وتشويه أهدافه وقضيته المركزية المتمثلة في الإصلاح، وآخر تلك الإشارات تقرير الحملة الوطنية لمتابعة حقوق الطلبة. الإصرار على تفريغ الشارع تماما من الحراك الشعبي، ومحاصرة حق الناس في التعبير والتجمع، يعد محاولة لمحاصرة الإصلاح، والحد من الزخم السياسي المؤيد له بقوة. في المقابل، فإن الإصرار من الناحية الأخرى على خلق حالة من الزحام الدائم في الشارع، بمناسبة ومن دون مناسبة وبأشكال مقنعة وأخرى غير مقنعة، هذا الإصرار يفرغ الشارع من مضمونه، ويفقده أهم مقوم له والمتمثل في العمق والصدق المجتمعي.
توجد خطوط تماس حساسة بين الشارع المسؤول الذي يتحمل مسؤولية اللحظة التاريخية ويحترم إنجازاته وخبراته، وبين الشارع المندفع والرخو ذي القابلية للتوظيف وأن يتحول إلى موضوع للصراع بدل أن يقود الحراك الشعبي ويحدد مساراته. وكما حدث في أكثر من مكان في العالم، هناك احتمالية كبيرة أن تنزل أي قوة وتغتال الشارع، وفي لحظة ما قد يتم احتلال جانب من الشارع من قبل الفساد حينما تشعر هذه القوة أن الشارع قد حاصرها وضيق الخناق عليها، فيلجأ رموز الفساد إلى ركوب الموجة من أجل خلط الأوراق ومحاولة إيجاد مهرب أو منطقة رخوة لإعادة صياغة المشهد؛ حدث ذلك في دول أوروبا الشرقية في التسعينيات، ومؤخرا في مصر حينما حاول رجال أعمال وقوى سياسية متحالفة مع الفساد الدخول على خط الشارع.
كل ما نخشاه أن تستثمر لحظات الحكومة الحالية في علاقتها مع بعض القوى السياسية ومع الإعلام في إحداث اختراق وفتح مناطق رخوة تُصعد أجندة جديدة وأزمات من نوع آخر، فهناك من تكمن مصلحتهم في هذا الوقت في إعادة خلط الأوراق.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق