علاء الدين أبو زينة

القميص في "الفترينة"!

تم نشره في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

حدّثني صاحبي بأنه كان يمرّ من عمان وسط البلد أيام كان طالب جامعة في الستينيات، فيشاهد في إحدى واجهات العرض قميصاً جميلاً من ماركة أجنبية معروفة، يعجبه ولكنّه لا يمتلك ثمنه. ودارت الأيام، فتخرج، وذهب ليعمل في الخليج. وبينما هو يتجول ذات مرّة مع زميل هناك، شاهد القميص نفسه، بماركته وتقاطيعه، في "فترينة"، ولم يكن هناك داع ليتردد في شرائه فوراً وقد أصبح جَيبُه عامراً. لكنّه عندما ارتداه لم يجده جميلاً عليه، فتبرّع به على الفور، هديّة لزميله المندهش.
قلت مباشرة، إنّ حكاية هذا القميص تشبه الزّواج، حيث يعجبُه/ أو يُعجبها الشّريك الذي يعرض نفسه في فترة التعارف والخطوبة بمُنتهى الجاذبية، ثم يتبين بعد ذلك أنّه ليس على المقاس. لكنّ الفارق هو أنّه لا يمكن التبرّع بالشريك مثل القميص، ويضطرّ الناس إلى الظهور دائماً بهذا "القميص" القَدَريّ نفسه، سواء كانوا معجبين بمظهرهم أو سئمين منه.
وفي الحياة في الحقيقة آلاف الأشياء التي تعجبنا وهي ليست في متناولنا، ثم نضيق بها ذرعاً ونشعر بأنها لا تناسبنا إذا امتلكناها. وفي أحيانٍ أخرى كثيرة، نشاهد مباراة كرة قدم مثلاً، فيقول أحد الجلساء الواهمين: "كيف أضاع هذا اللاعب الغبيّ فرصة تسجيل هذا الهدف السهل! لو كنت مكانَه لسجّلته بلا شكّ". ولو وضعوا صاحبنا في الملعب فعلاً، لما استطاع أن يركض عشر دقائق قبل أن ينهكه الإعياء، فلا يستطيع تمرير الكرة متراً، ناهيك عن تسجيل هدف سهل أو صعب!
بدهياتٌ حياتيةٌ أن لا تتوافق الافتراضات القبْليّة دائماً مع النتائج الواقعية، وأن لا يُطابق حسابُ الحقل حسابَ البَيدر. وفي هذه الآونة، تصحّ هذه الفكرة كثيراً على تصوّراتنا جميعاً عن العنوان الرئيسي الذي يتصدر المرحلة: "الربيع العربي". ففي كثير من الأماكن، اصفرّ العُشب سريعاً وأصبحت شقائق النعمان الحمراء النابتة من دماء الشّهداء تعتقل المشهد وتجعله بلون واحد مثير للأعصاب. وفي أحيان أخرى، تناضل رؤوس النباتات الوليدة أكواماً من الحجارة التي تمنعها من النهوض.
المسألة الأخرى الملحوظة هي كثرة المُعجبين بالقميص الذي أصبح معروضاً على "المانيكان" في كل مكان: الحُكم! وما أكثر الآن من يعتقد بأنّ هذا القميص مفصّل أصلاً على مَقاسه هو من دون العباد. وأنّه الوحيد الذي سيُبرز جماليّات هذه التّحفة عندما يزجّ فيها جسده ويختال كالطاووس. وثمّة من لا يمتلكون ثمن القميص، لكنّهم مستعدون لأن يرهنوا من أجل امتلاكه ساعات أيديهم، ومنازلهم، وأشياء أخرى أعزّ على النفس وأثمن: الكرامة والمبادئ واستمراء الاستجداء مثلاً.
وماذا بعد؟ لم يكن صديقي صاحب القميص من النّوع الذي يحبّ الاحتفاظ بشيء لا يلزمه ولا يُناسبه، فتنازل عنه وتبرّع به عن طيب خاطر. لكنّنا نعرف جميعاً عن أناس نعرفهم يحبّون "الكراكيب"، ومصابين بهوس الاحتفاظ بالشيء حتّى لو بلِيَ عندهم من دون أن يستخدموه. وكم من الأشخاص والأنظمة والمسؤولين يعرفون ويعرف الآخرون أنهم يرتدون قميصاً لا يليق عليهم، ويبدو فضفاضاً كمن يرتدي ثوب أبيه، أو ضيقاً كمن يرتدي سترة ابنه، لكنّهم يصرّون على أنّهم مستريحون، وبالغو الأناقة وأجمل من عارضي الأزياء في صالات باريس.
لا أدري! لكنّه يخالطني شعور بأنّ الفرحين بفرصة الصعود إلى سدة الحكم، الذين يتيح لهم عوز الآخرين لثمن القميص واستعدادهم هُم لدفع كلفته، سوف يُفاجأون بأنّ الملابس في واجهة العرض لا تكون جميلة دائماً عندما تُمسكها في يديك، أو تضعها على جسدك. وفي واقع الأمر، ليس الحُكم كالزواج الكاثوليكي، كما تتعامل معه الأنظمة المألوفة التي تزعُم كثيراً بأنّها تتحمل أعباءه على مضض لأنّه قدرها الإلهي. إنّه في الحقيقة شيءٌ يمكن التنازل عنه، وإهداؤه للزميل الذي سيكون أجمل عليه وأليق له. فهل سيكون أصدقاؤنا الصاعدون إلى الحكم بمثل واقعيّة صديقي؟
ثمّة ملاحظة أخيرة خطرَت عرضاً: لقد كان القميص الذي أعجب صديقي مُستورداً، جاهزاً، بمواصفات ومواد وذوق وماركة أجنبية معروفة. حبذا لو يكون "القميص" الذي أتحدّث عنه ليس كذلك!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أشكرك ... (هيثم الشيشاني)

    السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    أبدعت كعادتك و جعلتنا ... نفكر!
  • »أجدت وأبدعت كعادتك يا ولدي علاء (د.عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    يا ولدي علاء .اسلوبك المميز في الكتابة يجعلني اؤمن بانك تخصصت بعلم الفلسفة وانت في المراحل الجامعية ..وثمة قصة اود أن أقولها .كان رجل فقيرا معدما يحب وبشتهي الأكل ، ولكن حالته المالية لم تسمح له بذلك اطلاقا .وبقي يشتهي الطعام وفي أخر مراحل حياته ورث فجاة من عم له الملاين من الدولارات .فقال عندما كنت فقيرا كنت اشتهي الطعام .واليوم عندي فلوسا يمكنني أن اشتري اي شيء ولكن الأطباء منعوني من أكلها لسبب مرضي
  • »ليس كل ما يلمع ذهبا ... (مزفتحي ابو سنينه)

    الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    مقالخ رائعه اخي علاء وتشبيه موفق , لا كلام عندي الا
    ابدعت , ننتظر انتاجاتك دائما .