في الكويت ديمقراطية نحترمها

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

نزع أمير دولة الكويت فتيل أزمة متدحرجة منذ عدة سنوات، عندما قبل استقالة حكومة الشيخ ناصر المحمد الصباح، والتي تلقت خلال السنوات الأخيرة موجات من الهجوم الشعبي والبرلماني، تمثلت في سلسلة من الاستجوابات لعدد من الوزراء، ووصل الأمر إلى استجواب الرئيس ذاته، مع أن هذا كان من المحرّمات في عرف الكويت البرلماني سابقاً. وكلّف الشيخ جابر مبارك الصباح رئاسة الحكومة بعدما شغل لعدة سنوات منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع.
لم يكن اختيار الشيخ جابر المبارك، الشخص الهادئ والحازم في قراراته، مفاجئا للشارع الكويتي، فقد كانت كل المؤشرات تدل على أن انتقال رئاسة الحكومة إلى الشيخ جابر المبارك مسألة وقت، بعد أن وصلت الأمور إلى اقتحام مبنى مجلس الأمة، وارتفعت نبرة المعارضة لحكومة الشيخ ناصر المحمد، ووصلت إلى مرحلة اللاعودة.
منذ عدة سنوات تغيرت لهجة الخطاب الكويتي في الشارع والبرلمان والصحافة. فالكويت المعروفة عربيا بالتجربة البرلمانية الطويلة وبحرية الصحافة، أصيبت في الفترة الأخيرة بخطاب متطرف وسلوك سياسي معارض، لا ينسجم مع سلوك المعارضة الكويتية التي رسم ملامحها الكبار أمثال الدكتور أحمد الخطيب وسامي المنيس وغيرهم. لكن مع كل هذا بقيت معارضة منضبطة، ولم تخرج عن المألوف إلا في السنوات الأخيرة، عندما ارتفع الخطاب الطائفي السني، الشيعي، والمناطقي (داخل السور وخارجه)، والقبلي (بدوي وحضري). وهذا الخطاب ضرب عصب الديمقراطية الكويتية، بحيث تم حل مجلس الأمة أكثر من مرة، وتمت إعادة تشكيل الحكومة مرات بطريقة لم تكن مألوفة في الكويت.
لقد وضعنا يدنا على قلوبنا خوفا على تجربة نحترمها ونقدرها، ولا نتمنى لها سوى التقدم والتطور. وأمنياتنا أن تنتهي الصورة الضبابية التي بدت عليها الساحة السياسية بالكويت في الأشهر الأخيرة، وبدا فيها الصراع بين الحكومة السابقة ومجلس الأمة تناحرا لا يمكن أن يخلق حالة منشودة من التعاون المشترك، فتم تجميد ملفات عديدة تحتاج إليها البلاد، وهي لا تحتمل التسويف والتأجيل.
في الكويت مجلس أمة فيه من الكفاءات السياسية التي تستطيع تقديم المشورة الصادقة، وفيه من التيار الديمقراطي شخصيات لا يشك في انتمائها ووطنيتها، وفيه أيضا أربع سيدات نجحن عبر صناديق الانتخاب، وكن قدوة في العمل البرلماني المنتج، وفيها أيضا مؤسسات محترمة في المجتمع المدني، وفيها (وهذه رافعة قوية للديمقراطية) صحافة مهنية تستطيع أن تقوم بدورها في صنع الرأي العام.
لكن مع كل هذه الإيجابيات، توجد أيضا شخصيات وأعضاء برلمانيون لم يتعلموا مما يجري حولها، ويحاولون دائما أن يتكسبوا سياسيا، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية العليا، وعليهم أن يفتحوا أعينهم جيدا على ما نشاهده في عديد من عواصمنا ومدننا العربية من مخاضات جديدة، واتجاهات تقود المجتمعات إلى أجندات أخرى، من مصلحة الكويت وشعبها البقاء بعيدا عنها.
رئيس الوزراء الحالي الشيخ جابر المبارك، وهو ابن أول وزير للأوقاف في الكويت الشيخ مبارك الحمد الصباح، يمتلك من التجربة الوزارية الطويلة والعمل السياسي كل مقومات المضي بالتجربة الكويتية إلى بر الأمان. وهو معروف عنه الحزم وسعة الصدر، ولم يكن يوما إلا ضمن التيار التوحيدي، الذي يرفض الصراعات على السلطة. وهو بهذا قادر على تجاوز ما علق بالتجربة الكويتية التي نخاف عليها عربيا، من سلبيات، وقادر على الإجابة عن جميع الأسئلة المعلقة منذ سنوات عن تأخير مشاريع التنمية، وإعادة وضع الكويت في المرتبة التي تستحقها خليجيا وعربيا.
تحتاج الكويت إلى فترة هدوء، وإعادة تقييم المرحلة السابقة، لتعظيم الإيجابيات وتقليص السلبيات. كما تحتاج الى رؤية واضحة وحازمة في مواجهة التطورات التي تشهدها الساحة الكويتية خصوصا، والعربية عموما. كما تحتاج الى إعادة النظر بما تسرب في بنيان المجتمع الكويتي من مثالب، عكستها المذهبية البغيضة في أكثر من موقف وحدث، وهي التي لم تكن في يوم من الأيام موجودة في أجندة المجتمع الكويتي. ولعل القبطان الجديد للحكومة الكويتية هو الأقدر على إعادة الوهج للكويت.

التعليق