عيسى الشعيبي

حذارِ من هجاء الربيع العربي

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

بعد أن بلغت التوقعات الإيجابية ذروتها السامقة، وعمت موجة عارمة من التفاؤل، غداة نجاح ما بات يعرف لاحقاً باسم الربيع العربي، في إسقاط نظامين مدججين بالقمع والفساد في تونس ومصر، حلت موجة تشاؤمية معاكسة راحت تغذي نفسها بنفسها من تفاقم بعض مظاهر التعثر والإخفاقات التي رافقت عمليات التغيير المؤلمة في كل من ليبيا واليمن، وتفاقم حالة الاستعصاءات في سورية فيما بعد.
وهكذا، وعلى مدى نحو عشرة أشهر حافلة بجملة من المتغيرات الاستثنائية، كانت مشاعر خيبة الأمل والإحباط تعلو في كثير من الأحيان، خصوصاً لدى المتعجلين على قطف عناقيد العنب المدلاة قبل أن تنضج، الأمر الذي كان يدفع بمن ضرست أسنانهم إلى إصدار أحكام قطعية جائرة ضد مآلات الربيع العربي الواعد بالديمقراطية والحرية والانعتاق.
وقد بلغ الحال بالجالسين على المقاعد الخلفية في قاعة المسرح السياسي المقام في الهواء الطلق، حد إصدار أوراق نعي مبكرة وفتح بيوت عزاء واسعة لكل تلك التوقعات الإيجابية التي واكبت تفتح أول أزهار هذا الربيع.
وأحسب أن هذا التطير المبالغ به لدى ضعاف القلوب والعقول، إزاء مخرجات هذه الانعطافة الكبرى في الحياة السياسية العربية المعاصرة، ناجم في الأساس عن سوء قراءة تبسيطية، ومقاربات ذات نزعة رغائبية في جوهرها، فضلاً عن فقر فهم شديد لصيرورة التحولات التاريخية في حياة الأمم والشعوب، التي عادة ما تأتي على شكل مخاض ولادة طبيعي مفعم بآلام الوضع المبرح في مطلق الحالات.
وعليه، يحسن بنا ونحن ننظر إلى مدخلات هذا الربيع ومخرجاته، أن نراه من منظور المؤرخ ذي الرؤية الكلية الجامعة والبصيرة التحليلية النافذة، لا من بؤبؤ عين الكاتب المهموم بالمشاهد اليومية المتفرقة، وأن نحاكم التطورات الجارية على امتداد الرقعة العربية الشاسعة، ليس على أساس النتائج الأولية المتغيرة بين عشية وضحاها، وإنما على قاعدة النتائج بعيدة المدى.
بكلام آخر، فنحن اليوم أمام لحظة زمنية لا سابق لها في التاريخ العربي منذ صدر الإسلام قبل أربعة عشر قرناً، يتحقق فيها ببطء وعلى نحو تراكمي متدرج ما لم يتمكن العرب من تحقيقه على مدى الحقب الطويلة الماضية فيما يخص تحققهم كأمة. وفوق ذلك نحن ما نزال في ربع الساعة الأولى من هذه اللحظة التاريخية التي قد تمتد إلى أجل قد يطول إلى عقد من الزمان وربما أكثر، الأمر الذي يجدر معه إبداء التحفظ في إصدار الأحكام وكبح جماح التوقعات.
فليس كل ما تم زرعه في تربة هذا الربيع المديد كان حبوب قمح صالحة للإكثار، ولا كل ما نبت أو سينبت في الحقل الواعد من براعم ستتفتح وتعقد نوارها بالضرورة وتعطي ثمرات طيبات. كما أن التحولات التاريخية الكبرى لا تجري وفق خط مستقيم خالٍ من النتوءات والانكسارات، ناهيك عن أن مخاض الولادة ينبغي أن يأخذ مداه الكامل، إلى أن يشهق الوليد شهقة الحياة الأولى.
على ضوء هذا الفهم لاستحقاقات هذه المرحلة المبكرة من مخاض هذه اللحظة التاريخية المديدة، فإنه يمكن القول حذارِ من هجاء الربيع العربي بخفة، وإضعاف الثقة بحتميته المبشرة بزمن جديد، فليس كل ما يعتري المشهد العام من ظواهر سلبية هي أقدار مقدرة، ولا ما يسوده الآن من مفاجآت غير سارة هي الفصل الختامي من الرواية الطويلة، طالما أن التفاعلات تجري في حواضن شعبية دافئة، وتتفاعل في سياقات تاريخية ملائمة، وتتراكم تحت سقوف فكرية متصالحة مع قيم الحرية ومُثل الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان.

التعليق