فرصة الإسلاميين التاريخية

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

الأهم من فوز الإسلاميين في انتخابات تونس والمغرب ومصر، هو الإثارة والنقاش العميق والاستراتيجي الذي جاء كردة فعل على هذا الفوز، وتلك التوقعات التي راحت تتنبأ بطبيعة الحكم الإسلامي ومدى انسجامه مع الديمقراطية والمدنية وقبوله للتعددية، والأهم، مدى براغماتيته وقدرته على تحقيق إنجازات ترتقي إلى مستوى الوعود التي أطلقها الإسلاميون قبيل الانتخابات، والتي ستكون مضطرة للتعاطي مع واقع اقتصادي وسياسي أليم. يزيد المشهد تعقيدا وإثارة تحليلات أخرى تنبهت وبحصافة لقدرة الإسلاميين على المواءمة ما بين ضرورات التعامل الدولي البراغماتي، وإمكانية الاستمرار في الاحتفاظ بالشعبية التي بني جزء كبير منها على كره الغرب وشيطنته.
المؤشرات السياسية والديمقراطية الأولية حول فوز الحركات الإسلامية مشجعة، فخطابها السياسي في تونس جاء مريحا للمراقبين، خاصة أولئك الذين تخوفوا من "ثيولوجية" جديدة هناك. والبرنامج السياسي والاقتصادي للإسلاميين في المغرب جاء مثيرا للإعجاب، وانطوى على درجة من الدقة والتفصيل تؤشر على وعي بحجم التحدي وقناعة بضرورة تبني سياسات مجدية وفاعلة. أما إسلاميو مصر من حركة الإخوان فهم للآن يتصرفون بدرجة من الرزانة أبدت إدراكا بأهمية استمرار الدولة لا الثورة، في دلالة على نضج سياسي بحتمية تجنب العنف والفوضى.
كل هذه الدلالات مهمة ومريحة للحراك الإصلاحي الإقليمي، وتشي بأننا أمام مرحلة تحول إصلاحي وليس استبدالا للدكتاتور العلماني بآخر ثيولوجي. لكن الحقيقة تبقى أن التجربة ما تزال في أولها، ووعود الحركات الإسلامية وتوجهاتها ما تزال نظرية وخطابية قد تتكسر أمام أول القرارات التي ستضطر الحكومات الإسلامية الجديدة إلى التعامل معها. وتبقى درجة البراغماتية المؤملة موضع شك وعدم وضوح الى أن تترجم على شكل قرارات وسياسات، وتبقى مدنية وديمقراطية الحركات الإسلامية غير مدعمة إلا بوعود نأمل أن تتحقق.
المجتمعات العربية وصلت إلى مرحلة اللاعودة عن الإصلاح والتحديث. والأرجح أنها لن ترضى بأي شمولية أو دكتاتورية جديدة. ولكن هذا لا ينفي احتمالات الفوضى إن لم تكن النخب الحاكمة الجديدة واعية لأهمية إعلاء قيمة التعددية والديمقراطية في المرحلة القادمة. لذلك، فتحديها الأكبر يتمثل في قدرتها على تطوير خطابها الداخلي وتنمية مستويات الإدراك السياسي لكوادرها، لأن من شأن ذلك أن يمكنها من سلك طريق البراغماتية السياسية الضرورية لإدارة شؤون البلاد.
مشاركة الإسلاميين في الحكم حقيقة معاشة الآن، ودورهم في الحكم سيتنامى. وهم لذلك أمام مسؤولية تاريخية هائلة وغير مسبوقة، لأن قراراتهم وسلوكهم سيكون لهما أثر مفصلي في إصلاح الإقليم ودوله ودمقرطتها، فإن تعسفوا وتسرعوا وفقدوا البصيرة بضرورات إعلاء الديمقراطية والحاكمية الرشيدة، انزلقوا ومجتمعاتهم إلى العنف والفوضى. الحركات الإسلامية، بما في ذلك الأردنية، معنية بتجديد وتحديث خطابها السياسي والبرامجي وتفصيله وتوضيحه بما يتلاءم مع مرحلة المشاركة في الحكم بعد أن تجاوزت مربع تحريم ذلك. هذه مسؤوليتها التاريخية وواجبها الوطني وحق مجتمعاتها عليها.

التعليق