علاء الدين أبو زينة

على ماذا اتّفق الفلسطينيون؟!

تم نشره في الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

وسط أخبار الرّبيع العربي المقلقة جدّاً، تابعنا أخبار "المصالحة الفلسطينية" الأخيرة –وليتها تكون أخيرة- عند ميدان التحرير المشتعل. وكان ينبغي أن يكون النبأ مدعاة للاحتفال، كما فعل البعض، لولا أنّه ينكأ الجرح الأصلي: لماذا يُعادي الفلسطينيون بعضهم من الأساس؟ عَلامَ يتقاتلون وهم جميعاً ضحايا محكومون بقدَر واحد؟ وهل هناك حركة تحرُّر واحدة في التاريخ ضيّعت غايتها الأساسية وهي تناقش، بل وتتحارب على وسائل تحقيق الغاية؟
فكرتُ مرّة أن أكتب عن الفصائل الفلسطينية، فتعثرت بها، وكان تعدادها فقط سيستنفد مساحة المقال. فصائل، فصائل، تتعثر بها في كل مكان. شكلٌ عجيبٌ من التعدّدية القائمة على لا شيء في الحقيقة، وتطرح برامج لـ"تحرير فلسطين" تدّعي الفرادة والاختلاف الكلي عن الآخرين. عجيب، وكأنّ الفلسطينيين قد أنجزوا مشروعهم الوطني، وأصبح لديهم ترف الغناء كل على ليلاه. أمّا آخر ما حرَّره الفصيلان الرئيسيّان الآن، فهو الاشتغال مرّة أخرى على الحكومة، وانتخابات الحكومة. و"الحكومة" من لوازم الحُكم، فعلامَ يحكمون؟ إنّهم يتنافسون على إدارة "سلطة"، يعني على فكرة السلطة، فلم تعترف الأمم المتحدة بدولة اسمها فلسطين، ولن تعترف بها إلا إذا قذفت نفسها في وجهها، وبغير ذلك لن ترى الفلسطينيين المنكبين على إضعاف أنفسهم. وماذا تعني السلطة؟ هناك سلطة المياه، وسلطة الطيران المدني.. وهكذا. أمّا السلطة الفلسطينية، بشكلها المسموح، فهي سلطة إدارة مناطق تحت الاحتلال نيابة عن الاحتلال. ماذا غير ذلك؟
العنوان المهمّ والوحيد الذي ينبغي أن يتناقش فيه قادة الثورة الفلسطينية (وليس قادة الدولة غير الموجودة) هو كيفية إنجاز دولة حقيقية حرّة لكل الفلسطينيين بلا استثناء. وسيكون السؤال بين أفراد العائلة، وليس أصحاب الإقطاعيات: هل يفيدنا أن ننجز مشروعنا بالطرق السلمية، أم العسكريّة؟ ولا أعتقد بأنّ هناك مكاناً في هذا للأيديولوجيات العقائدية إلا بالقدر الذي يتصل بالسؤال.
يقود هذا إلى قسمة الفلسطينيين الاعتباطية التي لا علاقة أصلية لها بعلمانية فتح وإسلامية حماس (الجميع مسلمون): "معسكر سلام"، ضدّ "معسكر مُقاومة". وفكرة هذه الثنائية المتعارضة متهافتة، لسبب بسيط: إنّ المُقاومة ليست ضدّ السلام لأنّها فعلٌ مفروض على طرف يناضل أصلاً كي يستطيع العيش بسلام. إنّها ليست غاية في ذاتها ولا مسوّغةٌ لذاتها، لأنّ المقاومة ردّ فعل على ضغط يحرّضها أساساً. وبقوانين الفيزياء أو أيّ قوانين، يعني عكس مقاومة الضغط، الاستسلام له والانكماش أمامه حتى الانسحاق. إن عكس المقاومة هو الاستسلام، وليس السلام.
السّلام، علاقة مستقرة بين الجسم والأجسام المحيطة، بحيث لا يمارس أحدها قوة، أو ضغطاً على آخر فيقلق سلامه الخاص. ومن الواضح أنّ هذه العلاقة تقوم في البيئة الجيو-سياسية، أو في الفيزياء أيضاً، على مبدأ تكافؤ القوة، أو الردع. وبالتعبيرات العملّية، لا معنَى لتجاهل أن عيب "مفاوضات" الفلسطينيين والعدو، هو أنها خلت دائماً من شَرط التكافؤ، ولذلك كانت عَرضاً كاملاً للابتزاز والإهانة وتضييع الوقت. أمّا ضدّ السلام الحقيقي، فهو العدوان. ولا أظنّ أن بوسع أحد أو قانون دولي وصف مقاومة الفلسطينيين الضحايا، بكافة الوسائل، بأنها عدوان، ولو أن أوباما ونتنياهو وضعاها في خانة "الإرهاب." إنّ الفلسطينيين هم آخر من يبحث عن العدوان أو الحرب. هذه يجب أن تكون قناعتهم. في المناخات الحاضرة، رخّص العالم لبعض شعوب منطقتنا مقاومة أنظمتها المحلية بالوسائل العُنفيّة. وقد أصبحت هناك أصوات رسمّية، عربيّة وعالمية، تروّج لهذه الفكرة وتدعمها بكلّ الطاقات. وفي الوقت نفسه، تُعادي هذه الجهات نفسها كلّ حديث فلسطيني عن الحق في مقاومة احتلال خارجي دموي ولئيم ومُدان بكل المعايير، بوسائل عسكرية. وأظنّ أن الجواب موضوع على طاولة الفلسطينيين مقشّراً: إنّ أيّ شيء تكرهه "إسرائيل"، وأميركا، والأنظمة الرسميّة العربية التابعة، هو أصلحُ شيء لنا. وأكثر ما يقلق هؤلاء جميعاً هو مقاومة الفلسطينيين القوة بالقوة. بماذا غير ذلك تُقاوم القوّة؟ وأعود إلى البداية: علامَ اتفق الفلسطينيون؟ هل قالوا: دعونا من الكلام الفارغ عن الحكومة والأيديولوجيا والتكنوقراط، ولنفكر بكيف نقض مضاجع الأوغاد؛ بكيف نلمّ شعثنا ونجبرهم على احترامنا بالقوة؟ إذا اتفقوا على غير ذلك، فكأننا "يا بدرُ لا رُحنا ولا جينا!".

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المضحك ... المبكي ... (م.فتحي ابو سنينه)

    الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    مقاله رائعه كفكر صاحبها اثارت في الكثير الكثير من العواطف مما يدعو الى السخريه او البكاء حول الواقع الفلسطيني ووضعه الداخلي , واعادت لي ذكريات اليمه او تجارب ذات مغزي اشارككم بها عل وعسى نتعظ . كنت وانا في الثانويه في دوره حزبيه لاحد التنظيمات وكان احد محاضري الدوره احد القيادات الهامه الحاليه "قيس السامرائي " ابو ليلى , حيث كان الموضوع هو شرح سبب انشقاق الجبهه الديمقراطيه "نايف حواتمه" عن الجبهه الشعبيه "المرحوم جورج حبش" , وكان الفرق الجوهري او الخلاف هو ماهية الحركه اهي جبهه وطنيه متحده او جبهه وطنيه موحده , وكنا يافعين جدا لنستوعب ولذلك حفظنا الحجج عن ظهر قلب , وصرنا ننظر ونختلف وندافع ونجادل حول الموضوع لسنوات , واعترف والله الان رغم المكابره الخاويه انني وفي سني هذه لم افهم بعد هذه الحجه لينشق تنظيم على نفسه , وكثيرا ما اضحك على نفسي وانا اتذكر كيف كنا نسهر الليالي ونقضي الاوقات ونحن نشغل فكرنا ونبحث عن نقاط اختلاف لندافع عنها والطرف المقابل كان كذلك وهكذا كلنا , مع اننا نعاني ونجلس على نفس الخازوق , اليس هذا مدعاة للبكاء والتحسر ,
    الوضع الفلسطيني هو انعكاس للوضع العربي ولا يستطيع ان يكون قراره مستقلا ومعزولا عن الادوار التخريبيه المقصوده , فدائما كانت للانظمه امتدادات على صعيد الفصائل تقوم من خلالها بتصفية حساباتها مع بقية الانظمه او تخدع شعوبها بحجة الدعم للقضيه المركزيه, ولك ان تسال عن مصادر الدعم والتمويل لتستنتج المسارات السياسيه والضغوط التي تعرضت لها القضيه الفلسطينيه لتصل الى ما وصلت اليه من نهايه ولتصبح سلطه فلسطينيه تقوم بدور وكيل احتلال او لتتحول الى نظام رسمي عربي اخر لكن دون دوله او جغرافيا , هناك من حاول انشاء تنظيم بمرجعية الكتاب الاخضر سيء الذك رغم استهزاءه به وهناك من اقام تنظيما هدفه ليس تحرير فلسطين بل لضرب تنظيم اخر وتاديبه , ستجد بيننا من ينتظرون ويبحثون عن فكر او قضيه لا علاقة لنا بها ليسترزق منها ,
    اخي علاء هذا هو الواقع المرير وهؤلاء هم ضعاف النفوس وهذا هو واقعنا العربي اللذي يحاول دوما ان يضع له قدما في ثورتنا العادله وهو بذلك اساء ويسيء لها ولشعبها اللذي لم يبخل يوما بدماءه , ولكنه ابتلي بالبعض اللذين يسمسرون ويعتاشون من هذه القضيه الشريفه . ولكن الغلبه في النهايه ستكون للشرفاء اللذين لم يفرطوا ويتراجعوا ويضعفوا , وهم اللذي يبقي الامل والرجاء مشرعا دائما .
  • »طرح رائع دائما (Bisan Alghawi)

    الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    استاذ علاء اعجابي يتزايد دائما بمقالاتك
    الوضع الفلسطيني و العربي للاسف لا يوصف الا بكلمة واحدة " مسخرة "