د.باسم الطويسي

طوارئ قانونية

تم نشره في السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

انتهت مناقشات الثقة، ومرت الحكومة بكل هدوء من أوسع أبواب البرلمان. ولا جديد يكاد يذكر؛ كرر السادة النواب الخطاب السياسي والخدماتي التقليدي من دون زيادة ولا نقصان، ومنح المانحون وحجب الحاجبون ذاتهم. بالمحصلة، هذه محطة لا قيمة لها، وهي تحصيل حاصل من برلمان ينتمي إلى عصر آخر، وقيمتها الوحيدة أنها تضع الحكومة على المحك للبدء الفعلي بالعبور بالأردن إلى الحافة الأخرى، ومن خلال مهمة أساسية ومفصلية ولا تحتاج إلى مزايدة ولا تحميل هذا الفريق الحكومي أكبر من قدراته ومن ضرورات المرحلة العاجلة؛ وهي المهمة المتمثلة بالتشريعات الإصلاحية واستعادة القانون الذي تم اختطافه المرة الأولى من قبل الفاسدين والنخب غير المسؤولة، والمرة الثانية من ضحاياهم.
منذ اليوم، أصبح أمام الحكومة وأمام الرأي العام هدف مركزي واضح في استكمال العاجل من منظومة التشريعات الإصلاحية الأساسية قبل شهر حزيران (يونيو) المقبل، كما أشار إلى ذلك رئيس الوزراء في خطاب الثقة، عبر الجدول الزمني لتواريخ الاستحقاقات التشريعية الذي قدمه.
وعلى الرغم من وجاهة الآراء التي تقول إن هذا البرنامج الزمني فيه إسراف واضح بالوقت، ولا يتفق مع ضرورات بلد يشهد حالة طوارئ اجتماعية وسياسية وبالتالي إصلاحية، إلا أن الضمانة الوحيدة لجعل العام المقبل ربيعا إصلاحيا أردنيا حقيقيا، تتمثل في الالتزام الفعلي بإجراء الانتخابات النيابية المبكرة في حدود لا تتجاوز شهر تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، وهو الأمر الذي يحتاج إلى التخلص من حالة مغازلة المجلس النيابي الحالي بترحيل عملية الإصلاح. فأي مبررات للتسويف سيدفع ثمنها المجتمع والدولة؛ فقد شبعنا حوارات، والرؤية واضحة، والأولويات الوطنية لا تحتاج إلى المزيد من إضاعة الوقت. والجميع في البرلمان والحكومة والمعارضة بحاجة إلى وضوح أخلاقي وسياسي معا في هذا الوقت. إن لحظة العبور التاريخي تمر بها الأمم والشعوب مرة كل عدة عقود، وربما لا يتاح لها أن تمر بنفس الطريق مرة أخرى إن تعثرت وسقطت قبل أن تصل إلى الحافة الأخرى.
ليس مطلوبا من الحكومة الحالية أن تجترح حلولا عبقرية لأزمة الطاقة ومواردها المزمنة، ولا أن تبحث عن حل عبقري لأزمة المياه، ولا هي مؤهلة لإنقاذ الزراعة. كل هذه الملفات وغيرها تعوّدَ جيل من الحكومات على إدارتها وفق مفهوم تصريف الأعمال. لذا لا داعي للادعاء ولا تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، فضبط إرادة الدولة وإمساكها بقوة بالقانون يجب أن يكون المهمة والمنهج الأساسي لإدارة الدولة من قبل السلطات الثلاث خلال هذه المرحلة.
القاضي وفريقه الوزاري المدجج بالقانونيين، سيقدم للدولة الأردنية إنجازها الحقيقي في العقد الثاني من القرن العشرين إذا ما استكمل المنظومة التشريعية الإصلاحية، وأمسك بالقانون بقوة في الممارسات اليومية للإدارة الحكومية. وهي مهمة مفصلية وأمّ المهمات في مسار بناء الدول. وكل الإنشاء السياسي حول هيبة الدولة والمراوغة في تفسير ظواهر الفساد والهدر، ثم الاستقواء والعنف الاجتماعي، هي محاولات لحجب الرؤية عن المستوى الذي وصلت إليه الدولة من الغياب والتغييب للقانون.
الدرس الأول في بناء الدول والأمم عنوانه القانون؛ في التشريع والممارسة وتأسيس المواطنة. واتزان علاقة الدولة بالمجتمع تبدأ بالقانون. وتوزيع الثروة العادل ومنع الفساد مصدرها الجوهري القانون. والتنمية العادلة لا تزدهر إلا في ممارسة قانونية كفؤة في الشريع والممارسة.
حينما تتوفر للدولة، أي دولة، شروط أن تكون ضامنة لمواطنيها بالقانون، تتوفر لها الطمأنينة الحقيقية مهما أحاط بها من أعاصير.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق