علاء الدين أبو زينة

الصّحف و"العلكة"!

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

لم يكن الشاب الذي اقترب من السيارة أثناء توقفي على الإشارة الضوئية يبيع "العلكة" كما تعودنا. كان يحتضن بين ذراعية رزمة من الصحف الأردنية، ويتوسّل بالطريقة نفسها التي تقطّع القلب أن أشتري منه صحيفة، أيّ صحيفة. ولم يكن الطقس سيئاً بحيث يلجأ إلى هذه الطريقة ليبيع بضاعته ويذهب، ولا كان النهار قد أفَل بحيث كلّت قدماه من الوقوف. كان واضحاً أنّه يجد صعوبة في تسويق قبضة الصحف التي يحملها، حتّى يستحقّ أجرته. وهو لا يضع بالتأكيد ثمن الصحف في جيبه، مثل بائعي اللبان، وإنّما سفح كرامته ليحتفظ بعمله، فيما يبدو، لا غير.
لا أنكر أنّني فوجئت وتضايقت. وفكّرت بنرجسيّة في أن مقالي المنشور في صحيفتي لذلك اليوم كان من ضمن مادّة التسوّل على الإشارة، وأشفقت أيضاً على بائع الصحف الذي كان قدره أن يبيع بضاعة كاسدة، فائضة، يدلّل عليها باستدرار العطف. واستدعيت صورة بائع الصحف على الإشارة الضوئية، وهو يهرول في الصباح بين السيارات التي تستدعيه بالنفير، ويحاول أن يلبّي طلب راكبيها قبل الضوء الأخضر. وقلت في نفسي: لماذا نبتعد كثيراً؟ إنّ الصّحف عندنا تعاني من أزمة، ويعرف هذا كلّ العاملين فيها. وهي أزمة متعدّدة الأسباب والتجليّات، وتستحقّ أن يقف عندها المعنيّون، مثلما يقف الجميع الآن لمراجعة أحوالهم، وصناعة ربيعهم.
السبب الأول الذي تُحال إليه أزمة الصحف الورقيّة، هو التقنية؛ حيث أصبح المحتوى الإخباري والثقافي على بعد ضغطة زرّ، متاحاً على جهاز الحاسوب الشخصي أو حتّى الهاتف المحمول. ويتبع انخفاض بيع الصحف الورقيّة انصراف المُعلنين عنها إلى الإعلان الإلكتروني، وهو ما يحرم الصّحف من أهمّ مصادر دخلها، فتخفض مصاريفها، وتسوء نوعيّة محتواها وكمّه. والسبب الثاني هو الفضائيّات التي تعرض الأخبار والتقارير بالصوت والصورة على مدار الساعة، ويشاهدها المرء وهو مستلق على كنبته من دون أن يضطر إلى تقليب الورق وطيّه. وهناك أسبابٌ أخرى متراكبة، مثل قلق الصحفيين على مهنتهم وهم يسمعون الحديث المتكرر عن الإفلاس، وتبخر الحوافز؛ وهناك تضييق المساحة على محاولات تحسين مُنتج الصحافة بحرمانها من الحريّة اللازمة لملامسة القضايا التي تهمّ الناس بشكل حقيقيّ.
مسألة الصحافة، لا تختلف في التحصيل عن كلّ شيء آخر، حيث تجد نفسها وهي تطرح السؤال: ماذا تريدون بالضبط؟ في الأساس، يصعب تصوّر دولة عصرية بلا صحف. وحتّى في البلدان الأكثر تطوّراً، ما يزال الصحفيّون يذهبون إلى أعمالهم، والمطابع تعمل، والصّحف توزّع. وبشكل ما، تبقى الصّحف أحد أركان فكرة الدّولة. ولو كان هناك أحدٌ يريد إقامة دولة جديدة، لأنفق من جيبه واجتهد ليؤسس إعلاماً وصحافة، حتى يفي بمواصفات الدولة. ومع أنّ هذه الفكرة تبدو صحيحة، فإنّ أحداً لا يمدُّ يداً حقيقية لإخراج الصحف من أزمتها، مثلما يفعلون مع إنقاذ البنوك أو الشركات المتعثرة. كما أنّ كلّ الحديث عن الحريّات الصحفية، الكفيل بتحسين المنتج الصحفي بحيث يحسّ الناس بأنه ضروري ويحدث فرقاً، يصادف العقبات بسبب عقلية الصحافة الخائفة نفسها، وتدخّل السلطات دائماً في عملها رغم كل ما يقال عن غير ذلك.
أعتقد بأنّ ذلك يقيم الصلة بين الصحافة و"العلكة". فبالإضافة إلى أنّهما تُباعان الآن على الإشارات الضوئية كوسيلة للتسوّل، تفضي آليّات الصحافة الروتينية وعجزها عن مواجهة أزمتها إلى جعلها تكرر نفسها، مثل عملية مضغ العلكة. ويعني ذلك أنّ الصحافة تفقد طعمها بعد الدقائق الأولى، وتصبح كماليّة ولا تسدُّ الجوع، مثل "العلكة"، وتتحوّل إلى عادة وطريقة لتحريك الفكّين فحسب. يجب أن يقرر الجميع أولاً: هل الصحافة ضروريّة وهل نريدها؟ وإذا كان الجواب بنعم، فإنّنا معنيون بالبحث عن كيف تكون ضروريّة فعلاً. يجب أن تعثُر الصحافة عمّا يجعلها متميّزة بشيء لا تمتلكه وسائل الإعلام الأخرى. يجب أن تؤمن هي أولاً بجدواها وبقدرتها على اجتراح جديد مرغوب. وأستذكر هنا شيئاً كنت قد كتبته هنا، عن العلاقة بين قلة حضور الصحافة وتخفيض المندوبين وبين أخذ الفساد وسوء التعليم والتعفّن المجتمعي راحتها. ربّما ستكفّ الصحافة عن شبهها بالعلكة إذا قاتلت هي، ومنحوها فرصة أن تنتمي إلى الناس!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »>>>>>> (هيثم الشيشاني)

    السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    الأرقام لا تكذب "عادةً !" و هي تشير بوضوح لنفوق الصحافة الورقية!
  • ».... (Bisan Alghawi)

    الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    الصحافة لن تفقد طعمها ما دمت انت و امثالك من الرائعين تواصلون الكتابة.
    نعم الصحافة ضرورية و ستبقى ضرورية ولو لدى فئة تصغر و تصغر مع مرور الزمن !!
  • »ستبقى الصحيفة بيننا لآجل طويل (د.عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    لا يزال الكثير من الناس ينظرون الى الكتاب والصحيفة والمجلة المقرؤة ملاذهم في معرفة ما يدور محليا واقليميا ودوليا ..فمهما تقدمت التكنولوجيا والمعلوماتية الألكترونية الآ أنهم يشعرون باستمتاع بتقليب صفحات الجريدة والمجلة والكتاب ..فطباعة الكتب والجرائد والمجلات في الدول المتقدمة شعرت بنقص مبيعاتها ولكن الأحصائيات التي تصدرها هذه الدول عن مطبوعاتها لا تؤشر الى اية خطورة ..فالصحف عندنا هي مؤسسات تجارية مئة في المئة ، يريدون أن يحوشوا على جمع المال ولا النظر الى متطلبات قراءهم المدمنين على قراءة الصحف ..هنالك متعة سيكولوجية عند الأنسان وهو يقرأ كتابا أو مجلة وحتى الصحيفة ..ولو فكر مالكو هذه الصحف كيف يكسبون ود قراءهم ويبدعون في التنويع والأخراج وتقديم كل جديد فالقراء سوف يتزايدون..ولو نظرنا الى اي صحيفة محلية فحوالي نصفها اعلانات ، وربعها تعازي واعلان عن وفيات والربع الأخير مقالات ومنوعات وأحداث وصور وأخبار لممثلي هوليوود..في نظري فل شيء يعوض عن الجريدة والمجلة والكتاب