علاء الدين أبو زينة

64 سنة بعد "التقسيم"!

تم نشره في الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

بعد كل هذا الوقت منذ تقسيم فلسطين العام 1947، أول ما يخطر للفلسطيني هو تأمّل المسارات: ما الذي حصل، وإلى أين أفضى؟ وعلى الرغم من المرتفعات والمنحدرات شديدة الوعورة التي ضربَت فيها الحكاية الفلسطينية، ظلت هيأتها العامّة هيأة أزمة، وصبغت تجربة أصحابِها وورثتها بشيء قَدريّ مُحيّر، ورديء. وقد خطر لي مباشرة وأنا أتصدى للكتابة في هذه الذكرى، نصٌّ عبقري لم ألقَ أجزلَ منه وأوفى في وصف حالة الفلسطيني طوال هذه السنين، أقتبسُ منه جزءاً:
كتب إميل حبيبي: "كتب إليّ سعيد أبو النّحس المُتشائل، قال: جاءت النهاية حين استيقظت في ليلةٍ بلا نهاية. فلم أجدني في فراشي. فزارتني البَرديَة. فمَددت لها يدي أبحث عن سترة، فإذا بها تقبض ريحا. "رأيتني جالساً على أرض صفاح. باردةٍ مستديرة، لا يزيد قُطرها على ذراع. وكانت الريح صَرصراً والأرض قَرقراً. وقد تدلّت ساقاي فوق هوة بلا قرار كما تدلّى الليفُ في الخريف. فرغبت في أن أريح ظهري. فإذا بالهوة من ورائي كما هي الهوة من أمامي وتحيط بي الهوة من كلّ جانب. فإذا تحركْت هويت. فأيقنتُ أنّي جالسٌ على رأس خازوق بلا رأس".
لو جاز لي، لاكتفيت بهذا النصّ الذي يعجزني أن أجاري بلاغته. لكنّني أواصل، حتّى لا أخرج على الأصول، فيحذفوني من الصّفحة. وأتخيل أنّ هذا كان حال أبي، يوم استيقظ صبيحة النّكبة بنت التقسيم، فوجد نفسه مطروداً في زيارة البرديّة، معلقاً في هذا الوضع الغريب، قابضاً على ريح. ثمّ أتأمل كيف هبط اضطرارياً بعد عقود من سجنه المعلّق، وغسّلوه، ووضعوا في كفّه بدل الريح قبضة من تراب المنفى. وأستكشفُ التشابهات بين أفراد عشيرة "المُتشائل" التي أصبحت الآن كبيرة، وتوزّعت خوازيقها الانفرادية على الأربع جهات.
الصفة التي يتشاركها أجداد عشيرة المتشائل، وأورثوها لأبي النحس، هي المشي دائماً وهم ينظرون تحت أقدامهم، مفتشين عن الكنوز المطمورة. ولذلك، قضوا جميعاً بسبب هذه العادة. والمشكلة الثانية، هي أن سعيداً وجد نفسه، في دولة الاحتلال، على خازوق بلا رأس، لم ينفذ من الرأس فينهي الحكاية. جاء مفصّلاً هكذا بقصد، دائرة ضيقة كافيةً لجلوس قلق بين السّماء والأرض. طريقةً فضائيّةً في التعذيب. والتفكير المتاح فيها أيضاً ضائع بين الكابوس والصحو، على طريقة الفلسفة الشكّاكة: تخيّل أنّ كل ما تعيشُه وتراه هو حلُم، وأنّك ستستيقظ في لحظة، فتكتشف أنّ كلّ هذه الخبرة، هذه الحياة، كانت مجرّد حلُم، وأنّك عدتَ الآن إلى الحقيقة فحسب!
ومع شدة رُعبه، لم يغامر سعيد بمحاولة النّزول عن الخازوق. تحسسّ بداية ما تحته بقدميه، فوجدَ عموداً أملس مثل جلد الثعبان، وظنّ أنه لن يستطيع أن يتشبث به، فيقع، فيتوجّع ويموت. وهكذا عاش على فكرة أن هذا الوجود على الخازوق وهمٌ وكابوس سيستيقظ منه صباحاً. كان في الحقيقة طباقاً كاملاً لاسمه المُلتبس، المنحوت من المُتعارضات: السعادة، والنحس، والتشاؤم، والتفاؤل.
من أصعب الأشياء، وأكثرها ضرورة حين يطبق الكابوس على الصدر، ويحشر فريسته في زنزانته المرعبة بين الصحو والنوم، أن ينتزع المقبوض نفسه فينهض، ويمشي إلى الصّنبور ليغسل الخوف بالماء. هذه هي الطريقة الصعبة. وإذا غلَب نجم السعادة في اسمه، فسيكون هناك أحدٌ مستيقظ، يتذكره هذه اللحظة، فيوقظه. وإذا فاز النّحس، كان الجميع نائمين، وتركوه للكابوس.
في الحالة الفلسطينية الآن، لا أحد يوقظ أحداً. البعض معجبون جداً بالعلوّ، حتى على الخازوق الذي ضاقت مساحته واستدقّ، ويعظون الأكثرية بعبث التزحلق نزولاً واستكشاف الاحتمالات الأخرى غير التوجع والموت. وبعناد قبَلي، لا يتنازل أحد من نسل المتشائلين عن نسبه، وعن عادة البحث تحت الأقدام.  والآن، 64 عاماً بعد التقسيم، وبعد أن تقزّمت حصتنا من القسمة، هل نحن متشائمون أم متفائلون؟ (قال سعيد: "خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي: من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل؟!").

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل.. (sami)

    الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    رائع جدا لكن يجب قراءتها مرتين لاستيعابه
  • »الفلسطيني هو ، (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    ان عرضك لماساة الهجرة رائع جدا يا بني ..قال الشاعر أحمد دحبور يصف الفلسطيني قال :أنا المطعون بكل حراب الأهل على كل الساحات .أما أنا فأرغب أن أردد حكمة ربانية لا اعتراضا لنا عليها ، بل يجب أن نتقبلها شئنا أم أبينا وهي ، ربنا سبحانه وتعالى يقتل جملا ليطعم واويا ...الشعب الفسيطيني هو ذلك الجمل .ولكن عنما تم أكله وشيعوا فمعظمهم رفسوه بأقدامهم
  • »إلى فلسطين في الربيع لعل السموات تفتح للحلم طريقا جديدا (خالـــد الشحـــام)

    الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    فلسطين ؟.....كيف أصفها لك وقد حبست الدموع صورة الجبال عن خيالي ....كيف أتكلم وقد ذهبت الأيام بسمعي وبصري ورحلت قيثارتي الحزينة .....ماذا أحكي لك ؟......هل لك أن ترى تفجر الربيع بحرا من الزهر الأصفر فوق الغطاء الأخضر؟.............
    هل تحتمل شذى الندى فوق ورق البرتقال يعانق الشجر وسور الحجر الأصبر ؟......هل أكلمك عن ليالي المطر وحكايا أمي التي رحلت حيث يذهب السحاب ؟......هل أكلمك عن اللوحة السريالية في السماء تحتار فيها الملائكة ذهابا و إياب ؟......لو أن لك أن تسمع الموسيقى حين تداعب الرياح حقول القمح .. لبكينا سويا وراء السراب......لو استطعت أن تمسك الزمن لحصرت أيامي المأسورة في مرج خلف بيتي الخراب......لو استطعت أن تذهب بخيالك إلى أطراف النجوم المنثورة ...تجد طفولتي في كتاب.....هل أكلمك عن أسرار الجدول الصغير وعناق المحبين من الطير والبشر والشجر؟......هل أصف لك أجمل اللوحات الالهية ..في أربع فصول من كتاب الجنة الخفية ؟........لم تكن أمي قارئة حبر ... ولا ناظمة شعر .....ولكنها حفرت في ذاكرتي رسم الوعد كالعطر.....ورهنت حياتي منذ طفولتي .. حبيسا لحبها كالسحر......هل أحدثك عن البحر ؟ يا الهي .. هذا هو قاتلي حبـا وشوقا......لو وقفت على حوافه لأحسست هواءه نظما من غزل ورذاذه حبات من سكر.........لو تلمست شفاه الشاطىء وحصاه الأملس لما عدت ترحل .......هل اكلمك عن عاصفة ضاعت وسط الصحراء ولم تعد تحمل حبة رمل واحدة............هل اكلمك كيف تكونت من جلدي وتخلت عني من أجل سكرة صاخبة
    هل أريك حال من بقي منها والردى والغربان في نظرة عابرة ....هل أحدثك عن البحر ؟ يا إلهي لقد ضاعت ذاكرتي فيه وذابت روحي هوى له....... هل قرأت عن عصابة الأوغاد؟ الذين سلبوا عيوني وما تبقى من البلاد .......هل رأيت كيف ركبوا الحصان الهائج ثم ساقوه ليشرب الرماد.....هل أحدثك عن فتى زنره الهوى والوجد فوقف في وجه الحديد الممسوخ للعارفين؟......هل ترى كيف هابه الموت فأطلق سبعين أية للقارئين وسبعين لعنة للناظرين ؟......هل أكلمك عن أم زنرت فتاها حزام الشرف ثم ودعته تهمس في روحه :
    إذهب الى عروسك في قلب يافا وأعد لها الشرف ...فذهب .....وحين كتب .... كتب حروفا من ذهب ... ثم غلب.........هل أحدثك عن البحر ؟ إنه قاتلي بلا رحمة ومرجعي يوم العتمة .........هل اصف لك لقاء السماء والأرض وأكمة الأشجار البعيدة .......هل اصف لك غضبه يوم العودة ويوم يشتد ساعدي من جديد ؟...........هل تحتمل موجا كالجبال و هديرا كيوم الحساب ؟......هل أحدثك عن البحر ؟ إنه يأتيني في منامي ويعذبني بمعزوفته الحزينة ....... انتظرني عند ساقية الزمان تحت كروم العنب.. لأريك سدرة المنتهى
    عندها شجرة المأوى ومكان ولادة الخريف والشتاء وترانيم الملائكة والمثوى......إذا غادرت الأراضين السبع ودخلت مملكة الطوفان الجديد فانت على حوافها............وإذا حملت يدك عزيزا يشتد نارا لما يأتيك الهوى فهو محررها وأنت فتاها شهيد هواها
    هل أكلمك عن البحر ؟ إنه يشتاق لي .... ولم أعد احتمل السفر وحيدا يا أمي .........إذا رأيته في المنام وتكلم .. فاعلم بأنك فتاها وشهيد هواها ...هل تسمع مناجاته وبكاءه في حلم الكرمل المحترق ؟ إنه هناك ... حيث يافا وغزة و الجليل....... فإذا رأيت البحر فإنك تراني .. وتنتشر النار حيث تذهب روحي وتشتاق ملائكة العذاب .........تولد الطرقات إن تهوى .. تخر الجبال صرعى .. يثور البحر طوفانا بلا رجعى .....حررني وأطلق عاصفتي .. حررني وامتلك روحي ...اكتب ..وصف لي ما ترى ...ثم انتظرني عندها ......
    عند سدرة المنتهى ... عندها فلسطين المأوى........ حينها ... إن كنت ترى وإن كنت تستطيع وصفا ..... حررني ...فأنت الرسول البعيد .
    حررني وأنت حارس البحر الجديد ......حررني وأنت فارس الزمان الوحيد.....حررني وخذ روحي إلى بيتي البعيد ... إلى بيتي الجديد .
  • »قمة الروعة و الالم (Bisan Alghawi)

    الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    قمة الروعة هي مقالتك .. و قمة الالم حال الشعب العربي فباعتقادي كلنا سعيد ابو النحس المتشائل
    و لم اجد جوابا لسؤالي امتشائمة انا ام متفائلة ؟؟؟؟؟