عبث الطلاب وغياب القطاع الخاص

تم نشره في الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

الحديث عن البحث العلمي والدراسات التطبيقية في الاردن أصبح ترفا بعد انشغال بعض طلاب جامعاتنا في مشاجرات تبدأ لأسباب سخيفة وتنتهي الى إغلاق جامعات وقطع طرق وجرحى في المستشفيات من مدنيين ورجال أمن، يرافقها تكسير وتخريب يطال محلات تجارية وبنوكا ومرافق عامة، وبدل أن يرفع الطلاب رؤوسنا في محافل البحث والتكريم، ترتفع أعمدة الدخان والنيران والغاز المسيل للدموع في احيائنا الثكلى بهكذا شباب.
جل الدراسات التي تحاول أن تسبر غور هذه الظاهرة في بلادنا تصل الى وجود اشكالية كبيرة في التربية والأخلاق عنوانها الأكبر أن انحياز بعض الشباب إلى التعصب والعنصرية والقبلية والاستقواء بالعضلات أدى الى إفساد التعليم في جامعاتنا، فعن أي بحث علمي نتحدث، ونحن لم نتمكن بعد من إيقاف أمراض القبلية التي سيطرت بشكل شبه كامل على صروحنا العلمية، حتى أمسى خبر المشاجرة في جامعة عاديا بالنسبة لنا جميعا وما تراكم معه من عنف وتخريب وتدمير على ايدي "فتوات" لم يقرأ معظمهم كتابا في حياته، وبعض من أزمته أن زميلا له في الجامعة ابتسم في وجه زميلة اخرى؟
في الاردنية ومؤتة واليرموك والبلقاء التطبيقية وغيرها ثمة فسيفساء للعنف والعبث، أكاد أجزم بأن الدولة فشلت في تفكيكها، بل إن الدولة في منظورها الأمني الضيق كانت سببا في الملهاة التي تهددنا صبيحة كل يوم، والحكومات ليست وحدها المسؤولة فهنالك شركاء في الجريمة وعلى رأسهم مؤسسة الأسرة التي تعزز من غرائزية الانتماء للقبيلة والعشيرة على حساب المواطنة والقانون والاخلاق، وكذلك الجامعات – ومعروف من يسيطر عليها تاريخيا- بحيث ينظر للوطن بوصفه خيمة وان الطلاب مجرد غزاة وسط تحريض مفضوح وغبي بين ابناء الوطن الواحد لما فيه خراب الوطن.
ثمة مسؤولية لا تقل اهمية يتحملها القطاع الخاص الذي يأبه لبيان الأرباح والخسائر في ميزانيته مع نهاية كل عام ولكنه غير معني بحجم الخراب الذي يحيط به، حتى وصل الخراب الى مصالح القطاع الخاص المباشرة، فالتكسير والتخريب يطال مؤسسات عامة وخاصة ولا يميز في نهاية الامر بين ما هو عام وما هو خاص.
بالعودة الى البحث العلمي الغائب عن جامعاتنا المنشغلة بالمشاجرات العشائرية، فإن دور القطاع الخاص في التمويل غائب أيضا، بل ومخجل، فالتمويل للبحث العلمي حكومي فقط ويشكل 97 % من اجمالي الانفاق وفقا لتقرير المعرفة العربي الصادر عن برنامج الامم المتحدة الانمائي قبل عامين، وهو أقل من هذه النسبة بكثير – من حيث جهة التمويل الحكومية – في دول متقدمة مثل كندا بنسبة 40 % ، الولايات المتحدة الاميركية بنسبة 30 % واقل من 20 % في اليابان، وبغياب القطاع الخاص والشركات ورجال الاعمال، فإن معدل نصيب المواطن الاردني من البحث العلمي لا يتجاوز 8 دولارات في السنة في حين يبلغ نصيب المواطن الفنلندي 1304 دولارات، وهنا يكمن الفرق في المضمون بين شباب فنلندا الذين ابدعوا وقدموا الى البشرية "نوكيا " وبين مستخدمي " نوكيا " وغيرها من الهواتف المحمولة هنا من طلابنا للتنسيق بشأن آليات التحريض وتوسيع نطاق المشاجرات داخل وخارج اسوار جامعاتهم.
ثمة دعوات لأن تخصص الخطبة في صلاة يوم الجمعة المقبلة لنبذ الفتنة والعصبية عقب المشهد المحزن الذي حدث في السلط وتكرر في غير جامعة ومدينة اردنية الاونة الاخيرة، واعتقد أن ذلك ليس الدواء لهذه الظاهرة التي تزداد تفشيا بدون ان يقابلها اي تحمل للمسؤولية من قبل مسببيها الحقيقيين.
علينا أن نراجع تربية ابنائنا ونشيع ثقافة التسامح والحوار بينهم وبين نظرائهم، وعلى الدولة أن ترفع وصايتها وقبضتها الأمنية عن صروح العلم وعلى القطاع الخاص أن يتحمل مسؤوليته في دعم المعرفة والوعي حتى لو كان ذلك إلزاميا، ولنحاسب بشكل صارم قبل ذلك كل من يمس سمعة الجامعات بسوء وينقل عبثه إلى مدننا وقرانا الآمنة.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فار التنور ! (خالـــد الشحـــام)

    الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    جزيل الشكر لك سيد حسن لهذا المقال الذهبي الجريء الذي وضع الخطوط تحت السطور المهمة في هذه المهزلة ، بداية اسمح لي أن اقترح على أمثال هؤلاء (الطلاب ) اللجوء إلى العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة كحل مثالي وأخير للتخلص من الخصم المقابل و (الاستشهاد ) في سبيل رفعة العشيرة وعلو اسمها والقضاء على الجامعات ومرافقها التي تؤوي الأعداء والمناكفين ، ليس من الصعب بمكان أن نتخيل المراحل القادمة في هذا المسلسل الدموي التخريبي ، وليس من المستبعد أن تتحول الجامعات إلى مراكز لإدارة شؤون البلطجة والزعران وفارغي العقول والروح ، لو كان أمثال هؤلاء يحترمون فكر العشائر ويتمثلون القيم الحقيقية لروح العشيرة التي تضم في روحها النصرة في الحق والوقوف مع المظلوم والرجوع لكبير القوم والتمسك بالفضيلة والترفع عن الأذى لما رأينا ما رأيناه ، ولو كان هؤلاء قادمون من تربية العشيرة التي تعلم الاحترام والوقار وصون الممتلكات والارواح والتنزه عن سفائف الأمور لما وقع ما وقع ، أمثال هؤلاء عار على العشائر وعار على الإنسانية وعار على المجتمع العلمي ...... الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى وهذه التوضعات اللاأخلاقية في الجامعات ليست خفية وليس هنالك مندسين ولا سلفيين ولا عصابات تحرض الطلاب ، لقد أشبع الموضع بحثا وصياحا من كل كتاب الصحف وأصحاب العقول ووضعت الأسباب أمام من يصنع تشيكلة الجامعات ويسن القوانين لكن لا مجيب لمن ينادي ولا مبدل لمصيبة تعقبها المصيبة ، نتمنى من صميم قلوبنا أن يأتي اليوم الذي نتفاخر فيه بمجموعات من خريجي الجامعات الذين يطورون حلولا للطاقة أو البيئة أو ترجمة خاماتنا إلى منتوجات ، نتمنى أن نسمع خبرا ملخصه أن عددا من طلاب الجامعات قاموا بإنشاء وإدارة وتركيب شبكة الحواسيب في جامعتهم بأنفسهم ، نحلم أن نرى واحدا من طلاب هذه الجامعات يقدم أطروحة تصبح مثار جدل علمي دولي أو عالمي ، في صعيد عملي منذ سنوات أتمنى رؤية طالب واحد يثير اعجابي بمثابرته واجتهاده وعلمه ، للأسف ما نراه هو كومة من رذائل التهاوي في الفشل ونفخ فقاعات الكذب والاحتماء بعباءات زائلة لا قيمة لها
  • »أسعد الله صباحك أيها الكاتب النبيل (أبو عمار)

    الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    صباح الخير أخي حسن، مقال يكتب بماء الذهب، الأزمة مركبة يشارك فيها الجميع على تفاوت في المسؤولية ، لكن مسؤولية الأنظمة هي الأساس لأنها هي من يعلي شأن القانون الذي يساوي بين الجميع .