د.باسم الطويسي

الجغرافيا القديمة والسياسة الجديدة

تم نشره في الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

 كيف يمكن تصور شكل خرائط الشرق الأوسط السياسية بعد خمس سنوات، والى أي حد سوف تتطابق القيم السياسية الجديدة للنظم المتحولة مع خطوط التماس التي اوجدها تاريخ طويل من التفاعل مع الجغرافيا التقليدية، في ضوء حقيقة اكدها التاريخ في اكثر من مرة بأن الجغرافيا في لحظة ما تقود السياسة وتحدد مسارها وتحالفاتها ايضا.
كل من يفكر في ادارة المصالح، في عالم عربي يتشكل من جديد بقوة وسرعة كسرتا حدة رتابة التاريخ وسكونه الذي سيطر على هذا الجزء من العالم، عليه ان ينتبه بقوة الى خطوط الجغرافيا التقليدية وماذا سيتبقى منها مع ولادة قيم سياسية جديدة هنا، وبروز نخب لم تكن يوما في الحسبان هناك. حافظت خرائط الانقسام العربي على رتابة واضحة منذ ميلاد دولة الاستقلال والذي لا يتذكره الكثيرون ان صراع العواصم وفق حقائق الجغرافيا التقليدية قد برز لاول مرة في عهد الملكيات الاولى (القاهرة، عمان، الرياض ) فيما لم تبدل الثورات والأمزجة السياسية من هذه الخرائط الكثير.
لقد تبدلت ادوار التحالفات بين دمشق والقاهرة والرياض مرات عديدة واهتزت مع غياب الوظيفة القيادية في الاقليم ولكن دوما كانت خطوط التماس الجغرافية ترسم ملامح المصالح ومناطق النفوذ.
سبق التغير الذي يجري اليوم في القيم السياسية دخول اطراف جديدة اصبحت تعد من اللاعبيين الاساسيين في النظام الاقليمي، حيث لا يمكن الحديث عن مستقبل خرائط الاصطفافات فيما بعد عصر الثورات العربية بين بغداد والقاهرة ودمشق والرياض بدون ان تدخل في المعادلة طهران وانقرة على سبيل المثال، فالجغرافيا تعود لترسم المصالح مرة اخرى بقوة ستتجاوز الهوية والثقافة ومن المحتمل ان تتجاوز القيم السياسية الجديدة.
منذ انتصارات الاكتشافات الجغرافية وتمدد الكرة الأرضية وإعادة اكتشاف العالم من جديد، استقرت مجموعة من الآليات التي تحدد الكثير من سلوك الدول في البيئتين القريبة والبعيدة، ولعل الجغرافيا السياسية التي ابتلعت التاريخ في القرن السادس عشر، وانتصرت لموجة الفلسفات الكبرى آنذاك بمقولاتها التقليدية ويقينها المفرط بالوعي بقيمة المكان، هي اكثر من غيرها التي تحدد اليوم اتجاهات عقارب الساعة السياسية في يد الرئيس الأميركي ومواقيت البدء والحسم، وهي التي تحدد جدول مصالح البيت الأبيض اكثر من غيرها، وهذه هي الحقيقة التي ستجدها النظم السياسية التي ستأتي بها الثورات العربية امامها. لقد كانت المصالح التي تفرضها الجغرافيا هي التي حددت ملامح المشروع السياسي الألماني منذ بسمارك مروراً بالتعبير الأوضح والأكثر فجاجة عنها في زمن الرايخ الثالث، وهي ذاتها ملامح المشروع الذي عبر عنه المستشار شرودر والتي تعبر عنها المستشارة الحالية، كما هو الحال في المشروع الفرنسي الذي تلمح فيه حروب نابليون ووجه روبسبير وافكار فلاسفة الدولة الكبار.
في أكثر من مناسبة كانت الادارات الاميركية تبدو وكأنها لا تعطي أي اهتمام في التعويل على قيمة الجغرافيا السياسية في إدارة العالم الجديد، بينما تثبت الأحداث أن الوقائع تشير نحو استعادة هيمنة الجغرافيا السياسية حول بحيرات النفط والطاقة حتى في الصراعات فيما بين أو داخل التحالفات الجديدة، فلقد جاء توسع حلف الناتو خلال السنوات الماضية مصدقا لهذا الاتجاه العالمي المتصاعد الذي بدأته الولايات المتحدة نفسها حينما حددت نقاط ارتكاز مجالها الحيوي في منطقتين من العالم هما الخليج العربي وبحر قزوين. وهو الأمر الذي يفسر مصدر القلق المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة، يضاف الى ذلك إعادة تأهيل الجغرافيا السياسية حول البحر المتوسط التي يمارسها الناتو في محاولته الحثيثة لركوب موجة الثورات العربية.
الثورات العربية بمنظور المصالح الدولية وبمنظور الواقعية السياسية، تؤكد "مقولة جغرافية السيطرة بدون إمبراطورية"، أي السيطرة بدون كلف وعناء وهو الامر الذي يثبته حجم الصراع الدولي على مستقبل نقاط الارتكاز الجغرافي التقليدية وهو الدرس الذي يجب أن تدركه النخب السياسية القادمة،  فالحكم الأخير كان دوما للخرائط.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طباعة كتب جغرافيا جديدة ......... (ساهرة)

    الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    الان اصبحت الممحاة والقلم تعمل على رسم جديد وفق ما تريده الدول المسيطرة للحدود والدول العربية ,والذي حصل بالدول العربية هي مرحلة """ الخرابيش """
    ما قبل الانتهاء من الرسم ف دعونا اشقائنا العرب نساهم بالرسم ولو بزهرة على جانب النهر والا فسنضطر الى تغيير كتب الجغرافيا وطباعة نسخة جديدة للدول العربية فقط.......