علاء الدين أبو زينة

مَجاميع.. وأبطال..!

تم نشره في الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

مؤخراً فقط عرفت أن كلمة "مَجاميع" هي المقابل العربي لكلمة "كومبارس". وجاءت المعلومة في تحقيق تلفزيوني عن أحوال هذه الفئة من الممثلين الذين اشتكوا بحرقة من سوء حالهم في المهنة. وبعضُ هؤلاء وجوه مألوفة حاضرة على الشاشات الكبيرة والصغيرة منذ عشرات السنين، عملوا خلالها "بملاليم" حتى تكون الحياة في الدراما طبيعية، ومُقنعة. هؤلاء مثلاً: الجنودُ الملتحمون في ميدان المعركة؛ الطلاب الصاخبون في ساحة المدرسة؛ الذاهبون إلى أعمالهم وشؤونهم في شوارع المدينة؛ الواقفون في ساحة لسماع خطاب الزعيم؛ المشاركون في مشاجرة في خيمة عرس، وهكذا!
وبدت قضيّة "المجاميع" مُقنعة: ما أهمية أبيات منى واصف: "نحن بنات طارق.." إذا لم نشاهد صحوة النخوة في رؤوس مقاتلي قريش قبل معركة بدر؟ وما مَعنى أن يكون البطل بائعَ بسطة في سوق بلا مارّة ولا مُشترين، أو أنْ يلعَب النّرد في مقهى بلا روّاد؟ لِمَن يلقي أحمد زكي خطاباته الحماسيّة في فيلم "ناصر 1956". ومع ذلك، يقول المجاميع إنّهم يبخلون عليهم حتى بساندويشة في الاستراحة؛ وكثيراً ما يأتون في الموعِد، وينتظرون، ثمّ يعودون خالي الوفاض، من دون حتى أن يتقاضَوا أجرة الطّريق. ولا يُصنّف المَجاميع ممثلين من أيّ درجة، وإنما كائنات "زائدة" لا لزوم لها.
في الدراما الكبيرة أيضاً، الحياة، لا يختلف واقع المَجاميع عن بؤس نسختهم في التمثيل. والمدهش أن أحداً، في الحياة والتمثيل معاً، لا يستنطق الفكرة التي تقلبُ المنطق على رأسِه، وتمرُّ وكأنها المنطق نفسه: إن "النّاس"، و"الشعوب"، و"الرُّعاع"، و"الجموع"، و"الجماهير"، كلها ألفاظ عموميّة ملتبسة المَعنى، تُحيل إلى كتلة غائمة قابعة في خلفيّة المشهد، بلا أضواء ولا بطولة. ويُصادف أن تلتقط الكاميرا أحداً وتضعه في منتصف الكادر، في الإطار، فيصبحُ البطل الذي يتصدر الشاشة والإعلانات، ويقبضُ النجوميّة ومعظَم الأجرة، ويغيَّبُ الآخرون.
الحقيقة أن الدراما الكبيرة والصغيرة لا معنى لهما بدون المجاميع، ولن تكونا أكثر من قصة خيال علميّ عن عالَم غير مؤثّث وفقير العناصر، يقطنه شخص واحد مثل روبنسن كروزو. كما أن "الأبطال" يصيرون أبطالاً فقط، لأنّهم يحتلون الصدارة بين آخرين. ولم يكن صلاح الدين ليسكن كتب التاريخ لو أنّه وقف يوم حطَين أمام جيوش الصليبيين بسيفه وحيداً. ولا مَعنى لزعامة الزعيم الذي يُلقي خطاباً من دون المجاميع التي تهتف له: "بالروح.. بالدم...". فلِماذا ينكرون على هؤلاء أجرَة جعل البطل بطلاً وصالحاً للتّسويق؟!
يبدو أنّ  هذا الترتيب مقصود دائماً من جهة المُنتج الذي يحتكر مُلكيّة العمل ويتاجر بالدّراما ويديرها. إنّه لا يريدُ جعل المجاميع أبطالاً لأنّه كلّ الربح. وسيقول دائماً لمجاميعه: "أنتم الذين لا أحفظ أسماءكم ووجوهكم، لستم مهمّين، ويمكنني دائماً أن أجلب غيركم، فلا تتبطروا". ولأنّهم يخشون قطيعة الرّزق، واقتناص نظرائهم فرصة غيابهم، يصدّق المجاميعُ ويسكتون. ولكنْ، ماذا لو قرّروا جميعاً أن لا يظهروا في مَوقع التصوير فعلاً؟ أو أنْ يظهروا كثيراً فيحتلّوا الكادرَ ويتصدّروا المشهد؟
المجاميعُ، هُم الذين يستطيعون أن يحدّدوا معنى بطولة "الشخصيّات" التي ليست بطلة بالولادة. وهم الذين يستطيعون أن يتغيّبوا، فيلعب البطل النرد وحده، ويبقى في السوق مع بضاعته الكاسدة التي لا يشتريها أحد، ويخطب في قاعة فارغة، أو يقاتل طواحين الهواء مريضاً بوهم القوة. والمجاميع هم الذين يستطيعون أيضاً، إذا احتلوا خشبة المسرح، أن يحجبوا عن الواجهة الأبطال المؤقتين، الذّين برزوا فقط لأنّ الجموع أفسحتْ لهم مكاناً أمام العدسات.
كان الإغريق، الذين ابتكروا الديمقراطية، هم الذين جعلوا "الكورس" أو "الجوقة" شخصية رئيسية في الدراما، تعلق على الحّدث وتفسّره وتلخص حكمة الحياة. المنطق الذي أُهمِل فضمُر، هو أنّ المجاميع هم الذين يستحقّون الحصّة الأكبر من الربح والأهمية، لا أن يتفضل عليهم المنتجون والأبطال بالفُتات بذريعة أنّهم فائضون. ينبغي للمجاميع أن يتخلصوا أيضاً من وهم الدونيّة الذي غُسلت به عقولهم، وأن يُظهروا بحضورهم الكثيف كم يُحدثون فرقاً. إن الجنود في ميدان المعركة، والطلاب في باحة المدرسة، والمُشترين في السوق ليسوا ديكوراً يُسند المَشهد الرئيس؛ إنّهم هُم الأبطال الحقيقيّون الذين يجعلون الحياة حقيقيّة. إنهم هم المشهد، والحياة!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أتمنى أن تسود الأشتراكية في العالم العربي (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    أسعد أن أرى عالماعربيااشتراكيالا يتساوى الناس فيه ، ولكن كل صاحب حق ينال حقه .في النظام الشيوعي كان هؤلاء الكومبارس يتقاضون راتبا شهريا مثلهم مثل أكبر جراح في عالم الشيوعية ..فالطبيب اصبح طبيبا ليس باختياره بل الدولة رأت أنها بحاجة الى جراحين بعد ثمان سنوات ، فتسلمت الدولة هذا الشاب المتفوق في علم البيلوجي ودرسوه طبيبا على نفقة الدولة ثم هيأوه على نفقتهم ايضا ليصبح جراحا ..فحياة هذا الجراح وعامل الكومبارس متساويتان من حيث الدخل ، والمسكن ، والتأمين الصحي ، وتعايم الأبناءء البنات مجانا ، وحياة التقاعد كلهم يلبسون نفس اللباس ويأكلون نفس الأكل ، وتقدم لهم الخدمات المجانية للجميع ..الاشتراكيون وجدوا أن مثل هذه الحياة ستقتل روح الابداع والمنافسة بين المواطنين ..فهذبوا الكثير من هذه المفاهيم ولكنهم اطلقوا للمواطنين الكثير من الحريات والأمتيازات واختيار سبل الحياة .في النظام الأشتراكي اذا كان العامل في مصنع ما والمفروض أن ينتج خمسة كراسي بالنهار فسينال راتبا محترما ..أما أذا اراد أن يحسن وضعه الأجتماعي فينتج ستة كراسي فربح الكرسي السادس له ليحسن حالته الأجتماعية .طبعا في النظام الأشتراكي التأمين الصحي موجود للعائلة كلها ..التعليم الثانوي والجامعي مجانا .وحياة التقاعد مأهلة ليعيش بقية حياته مرفها ومكتفيا ..جكومات الدول الأوروبية معظمها اشتراكيون