إبراهيم سيف

التوازن الاقتصادي الجديد

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 04:55 صباحاً

المتابع للحوار العالمي حول الاقتصاد والسياسات التي تحكم أداءه يمكنه الاستدلال بسهولة على أن هناك ثمة تغييرات جذرية تجري على المستوى العالمي. فالتظاهرات المنادية بـ"احتلال وول ستريت"، والدعوة إلى فرض ضرائب رأسمالية جديدة على غرار ما طالب به الملياردير الأميركي وارين بافيت، الذي أقر أن سكرتيرته تدفع ضرائب كنسبة من راتبها أعلى من تلك الضريبة التي يدفعها الملياردير الأميركي، كلها تشير إلى اختلالات في المعادلات الاقتصادية وفي توزيع الثروات داخل الدول.
ومن الواضح أن ما كان مقبولا قبل العام 2008، أي قبل وقوع الأزمة المالية العالمية، لم يعد مقبولا حاليا، وأصبح الحديث يتصاعد عن إنقاذ الفقراء والطبقة الوسطى وليس إنقاذ الأغنياء، وهو ما يطالب به المحتجون عندما يتحدثون عن إنقاذ "الشارع الرئيسي" بدلا من شارع "وول ستريت". وما حدث بعد الأزمة المالية العالمية، هو مسارعة  الحكومات، لا سيما الأميركية، إلى إنقاذ المصارف العالمية ورؤسائها من براثن الأزمة، فيما ترك المقترضون من البنوك في مهب الريح، وفقد مئات الآلاف بيوتهم، وباتت مساكنهم عبئا عليهم.
وانتقالا إلى أوروبا، فمن الواضح أن الأزمة الجارية هناك لا تقل أهمية عما جرى في الولايات المتحدة، حيث تتخبط الحكومات اليونانية والإيطالية والبرتغالية في مساعيها للتعامل مع الأزمة وعبء المديونية. والدرس المستقى من الأزمة على ضفتي الأطلسي متعلق بمدى الثقة بالحكومات. فإذا كانت الحكومات المنتخبة والمجالس التشريعية القائمة لم تتمكن من درء خطر الأزمة التي يتفق كثيرون على أنها نتاج سياسات حكومية خاطئة، فهل يمكن الثقة بالحكومات الأخرى غير المنتخبة، والتي تستسهل التواطؤ مع القطاع الخاص؟
النتيجة أزمة عالمية لم تنته فصولها، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى أنها ستنتهي قريبا. فالحديث عن أن الأزمة مالية -وتتعلق بالمالية العامة والعجوزات في الموازنة- يعتبر مجتزأ، فما نراه من أزمة إنما هو تعبير عن الأوضاع العالمية المتغيرة التي لا تود الولايات المتحدة وأوروبا الإقرار بها؛ فهناك دول منتجة، وهناك دول مستهلكة، والدول المنتجة مثل الصين والهند والبرازيل، لا بد لها من قطف ثمار جهودها. فالمستهلك في تلك الدول لا بد أن يزيد من استهلاكه مع تحسن دخله، وهذا يزيد الضغط على الموارد العالمية، ويزيد التنافس على تلك الموارد، وهو ما نشهده مثلا في الحروب التجارية بين الصين والولايات المتحدة والتنافس على الموارد في أميركا اللاتينية وأفريقيا.
إلى هنا تعتبر اللعبة عالمية، ويعتبر الأردن فيها مراقبا وليس لاعبا، لكن فهم التوازنات الجديدة ضروري لرسم سياساتنا المحلية؛ هل سنستمر في ذات السياسات المتعلقة بالضرائب والتجارة الخارجية؟ هل سنستمر في ملاحقة منتدى الاقتصاد العالمي وطروحاته، أم نلتفت لما ينادي به علماء واقتصاديون مرموقون مثل جوزيف ستيغلتز الحائز على نوبل، وداني رودريك من جامعة هارفارد، اللذين يناديان بإحياء السياسات الصناعية والاهتمام بالطبقة الوسطى وتوزيع الدخل داخل الدول، فهذا النهج هو القابل للاستمرار، وهو يتطلب مقاربة جديدة لرسم السياسات الاقتصادية؟ وحتى الآن، ليس من الواضح ما هو الخطاب الاقتصادي للحكومة الجديدة، وما هي مرتكزاته، وكيف سيتم تنفيذ السياسات الواردة فيه.

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق