دفاعا عن "الغد".. عن الفضائيات.. وعن النفس

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

على مدار يومين متواصلين تعرضت قلاع إعلامية حصينة إلى سلسلة من الغزوات الرعناء، تارة بالتطويق والتخويف كما حدث مع "الغد"، وطوراً بالاقتحام الهمجي المتخلف ضد كل من مكتبيّ "الجزيرة" و"العربية" في مشهد ناطق بالصوت والصورة، حافل بالدلالات الرمزية على خواء الشعارات، والانفصام العميق داخل الذات، ناهيك عن المزاعم التي لا تشترى والادعاءات.
وأحسب أن ما جرى أمام مقر "الغد" منتصف ليلة الخميس وسحابة يوم الجمعة، كان مظهراً بائساً من مظاهر الاستقواء بالعصا والعصبية على الكلمة والحرية، وتطبيقاً رثاً من تطبيقات أخذ الحق باليد، وتفعيل قانون الغابة، في زمن الدولة المدنية والمؤسسات والمواطنة، الأمر الذي كان محل استهجان واسع وموضع تنديد شديد، ليس من جانب مجتمع الصحافة فقط، وإنما من مختلف الفاعليات السياسية والنقابية والاجتماعية، بما في ذلك الحكومة والأعيان والنواب. ولعل حركة التضامن الشعبي التي لا سابق لها مع "الغد"، تشير على نحو قاطع إلى شدة تحسس النخب السياسية إزاء أي مسعى غوغائي لترهيب الصحافة، وإلى مدى رفض الفاعليات الوطنية لأي مساس بهذه المنارة التنويرية الرقابية الباسقة، الأمر الذي بعث في قلوب العاملين فيها قدراً عالياً من الارتياح والاطمئنان، وقسطاً كبيراً من الثقة بالنفس. وليس من شك في أن محاولة الافتئات على "الغد" واستضعاف كتابها والتنمر على محرريها، كانت محاولة طائشة لكبح قانون التطور والحداثة، ووقف عجلة الزمن عند طور ما قبل الدولة، الأمر الذي زاد من حصانة الصحيفة بدل إرعابها، وعظم من مكانة الإعلام كله، إن لم نقل إنه أسهم في توطيد أركان السلطة الرابعة، كسلطة غدت ذات مسؤولية مناددة، وباتت غير قابلة للاحتواء والإسكات والتدجين لا من جانب الدولة، ولا من جانب البلطجية بالضرورة. وحين تجتاز "الغد" تلك الزوبعة بجدارة زادت من ألقها ألقاً مضاعفاً، وتنجح في اختبار الإرادة أمام البلطجية بكامل علامة الفوز المستحقة، فإن من شأن ذلك أن يرفع درجة اليقين لدينا بأن غزوة الشبيحة على "الجزيرة" و"العربية" المتزامنة مع الهجمة علينا، سوف تفضي إلى نتائج نهائية مماثلة، تعزز من صلابة هاتين الفضائيتين في وجه الطغاة والمستبدين، وتضفي عليهما مسحة إضافية من التقدير والاحترام والإعجاب الذي نالته كل منهما أيضاً عن جدارة ملؤها المهنية والمثابرة والموضوعية والالتزام بالقضايا العربية. وهكذا حصد التحالف غير المقدس بين البلطجية والشبيحة، في غضون يومين فقط خسارة ثقيلة وفشلاً مزرياً، أحسب أنه سوف يرتد على أصحابه بصورة عاجلة، حيث ستمضي قافلة الإعلام بثبات بدون التفات إلى الوراء، لاسيما بعد أن تضاءلت الزوبعة داخل الفنجان هنا، وآلت غزوة الشبيحة هناك إلى كوميديا سوداء بطلتها المطلقة عصا مكسورة، يثير أداؤها الشفقة على من لوحوا بها وهم يعلمون سلفاً أنها عصا نخرها السوس.
والحق، أنه عندما يتنادى مجتمع الإعلاميين والسياسيين والمثقفين إلى وقفات تضامنية، نصرة لكل وسيلة إعلامية حرة، فإنهم يتنادون في الوقت ذاته إلى نصرة أنفسهم ضد كل محاولة خرقاء للمساس بأقلامهم ومنابرهم وعدسات كاميراتهم، وإظهار أرقى أشكال التآزر فيما بينهم إزاء كل من يسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء عبثاً، وذلك بعد أن مضى إلى غير رجعة عهد الإعلام حيطاً واطياً، واعتبار الإعلاميين مكسر عصاً سهلا.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل ستنتحر الدولة؟ (ابو ركان)

    الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    بعيدا عن حماية حق الصحافة في نشر المعلومة للمواطن وخاصة بما يتعلق بمكافحة الفساد الذي استشرى بالبلد واصبح من الضروري مقارعته والقضاء عليه الا ان لجؤ الناس الى اخذ حقوقها بايديها كما حدث مع جريدة الغد بغزوة ليلة الجمعة من قبل جماعة مسؤول لا احب ذكر اسمه بموضوع السفينة سور بدلا من اللجؤ الى نقابة الصحفيين او القضاء فهذا هو الخطير بالامر ان تصل الامور الى امكانية افراد ان تتطاول على القانون وتحقير الدولة بادعائها انها هي الدولة واقوى من الدولة , فالسكوت عن محاسبة هؤلاء سيشجع كل الناس على التمادي بخرق قوانيين الدولة الناظمة لحياة المواطنون وسيعيش الوطن حالة فلتان ستؤدي الى غزوات بين المواطنون انفسهم ونعود بالبلد الى عصر ما قبل الدولة. وهذه هي وصفة الانتحار لهذا البلد الذي نحب ونعتز به وباهله وقيادته.