التعليم هو الحل

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 11:39 مـساءً

محمود محيي الدين*

يتعرض العالم لوابل من المشاكل التي تتحدى كل الحلول السهلة. فالصدمات الاقتصادية تزعزع استقرار الدول والمناطق في مختلف أنحاء العالم، وتفرض مصاعب اجتماعية ومالية جمة على الأسر والمجتمعات. ويهدد الدمار البيئي إمداداتنا من الغذاء، والهواء الذي نتنفسه، والتنوع البيولوجي الثري الذي يحافظ على توازن الحياة. وتسفر الحروب والصراعات عن الملايين من اللاجئين الجدد.
وهناك فضلاً عن ذلك العديد من المخاطر الصحية الناشئة، مع تفشي مرض السكري، والسمنة، وغير ذلك من الأمراض غير المعدية في البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة الآن، في نفس الوقت الذي تخوض فيه هذه البلدان معركة شرسة ضد السل، والإيدز، والملاريا، وغير ذلك من الأمراض المعدية. ويبحث مئات الملايين من الشباب في مختلف أنحاء العالم عن فرصة في سوق عمل تتسم بقدر عظيم من عدم اليقين. كما أصبحت البنية الأساسية التي تعيننا على إنتاج الطاقة، ونقل السلع والبضائع، وإجراء معاملاتنا التجارية، خاضعة لضغوط شديدة.
ليس المقصود من هذه القائمة من المخاوف والهموم تثبيط الهمم، بل التحدي. فمع تزايد نُدرة موارد العالم المادية، يتعين علينا أن نعتمد بشكل متزايد على المورد المتجدد المتاح والأفضل والأكثر ثباتاً على الإطلاق، ألا وهو الإبداع البشري. وكما تصدى العلماء ورجال الأعمال للمشاكل في الماضي، فقد جلبوا لنا الحلول من خلال الثورة الخضراء، واللقاحات الجديدة، وتكنولوجيا الاتصالات، والطاقة النظيفة.
لقد قدم لنا العلماء والزعماء الوسيلة لتحديد وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية. وبفضل ارتفاع مستويات التعليم، اكتسب الناس المزيد من القدرة على السيطرة على أحوالهم الصحية، وظروفهم المنزلية، وحكوماتهم، وثقافتهم.
وتُعَد التحديات العالمية التي نواجهها اليوم دليلاً على احتياجنا إلى عالم من المختصين في حل المشاكل. فنحن في احتياج إلى عالم من البشر المنتجين المرنين المبدعين الذين يتمتعون بالقدر الكافي من التنوع وتعدد المهارات للتعامل مع التكنولوجيا والثقافة من أجل إيجاد الحلول للتحديات العديدة التي نواجهها.
ويعيننا التعليم على بناء هذا العالم. فالأسر التي تحظى بقدر أكبر من التعليم تصبح قادرة على التغلب بشكل أفضل على الصدمات الاقتصادية والظواهر الجوية المتطرفة. ويتمكن الأشخاص الحاصلون على مستويات أعلى من التعليم من كسب المزيد من الرزق، والتحكم في نسلهم بشكل أفضل، وإنجاب أطفال أكثر صحة وأفضل تعليما. والتعليم يعطي الناس المهارات اللازمة لكسب الرزق، والإبداع، والاختراع، والانتفاع بالثقافة. وكل هذا من شأنه أن يسمح لهم بأن يعيشوا حياة أكثر إشباعا.
والنبأ السار في هذا الصدد هو أن المجتمع العالمي اجتمع على مساعدة كل الناس في اكتساب هذه المهارات، وبنتائج حقيقية ملموسة. ففي العام 1990، التزم تحالف واسع من الحكومات، والبنك الدولي، ووكالات الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، بتبني استراتيجية "التعليم للجميع". وبعد مرور عشرين عاماً أحرز العالم تقدماً كبيراً فيما يتصل بإلحاق الأطفال بالمدارس وتعظيم فرصهم في الوصول إلى التعليم الثانوي والجامعي. فعلى المستوى العالمي، يكمل 88% من الأطفال الآن المرحلة الابتدائية، ويستمر 67% منهم إلى أن يلتحقوا بالتعليم الثانوي.
بيد أن البلدان المنخفضة الدخل ما تزال بعيدة عن بلوغ الهدف المتمثل في ضمان إكمال كل الأطفال مرحلة التعليم الابتدائيز ففي هذه البلدان يتمكن 63% فقط من الأطفال من تحقيق هذه الغاية. وحتى الآن يواجه الأطفال الفقراء والمعوقون، والفتيات، والأقليات العرقية عقبات هائلة تحرمهم من الحصول على حقهم في التعليم.
والواقع أن العديد من البلدان تناضل لمجرد بناء المدارس بالسرعة الكافية لمواكبة النمو السكاني. ومن غير النادر أن نرى الفصول المدرسية المكتظة التي تفتقر إلى المعلمين المدربين والمستلزمات الأساسية للتعليم. ففي غمرة الاندفاع لتوسيع الخدمات، أهملت المنظومة المدرسية في بعض الأحيان تنمية المعلمين مهنيا، وتقييم الطلبة، بل وحتى معايير البناء الأساسية.
لقد تعلمنا على مر السنين أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلحاق الأطفال بالمدارس فحسب، بل في مساعدتهم في اكتساب المهارات اللازمة للعمل، وتنظيم المشاريع، وإدارة الحياة الأسرية، وممارسة المواطنة الحقيقية. والحق أن استراتيجية "التعليم للجميع" التي تبناها البنك الدولي مؤخرا (الاستثمار في معارف الناس ومهاراتهم من أجل تعزيز التنمية) تسلط الضوء على هذه الحقيقة الملحة. وهي تؤكد على الحاجة إلى الاستثمار المبكر، برعاية الأطفال الصغار لضمان وصولهم إلى سن المدرسة أصحاء وجاهزين لتلقي التعليم؛ والاستثمار الذكي، بتحسين المدارس من خلال تزويدها بالمعلمين الأكفاء والمواد والوسائل التعليمية الجيدة والإدارة الجيدة؛ والاستثمار من أجل الجميع، بإرساء الأساس اللازم لبناء المجتمعات العادلة والمنصفة.
كما تعترف هذه الاستراتيجية عن حق بأهمية بناء الأجهزة التي تدعم تنمية التعليم على نطاق واسع. ولا شك أن توفير الأعداد الكافية من المعلمين والمباني المدرسية والكتب المدرسية يشكل ضرورة أساسية، ولكن التعجيل بتنمية العملية التعليمية يتطلب ما هو أكثر من ذلك. فنحن في احتياج إلى أنظمة جيدة التصميم للتمويل، وتقييم الطلبة، والتطوير المهني والإداري، وضمان الجودة، والرصد والتقييم. كما نحتاج إلى إقامة علاقات أكثر قوة وشفافية بين الحكومات المركزية والمحلية، وبين الدولة والمؤسسات التعليمية الخاصة، وبين الأسر والمجتمعات. ونحتاج أيضاً إلى إقامة صلات أقوى بين المدارس وأرباب العمل لضمان حصول الخريجين على المهارات المنسجمة مع سوق العمل المتغيرة.
وبوسعنا أن نتعلم الكثير من الأنظمة التي أظهرت قدرتها على التحسن المستمر، في بيئات متنوعة مثل سنغافورة وتشيلي وغانا وسلوفينيا وإنجلترا. وفي حين بدأ كل من هذه البلدان من نقطة انطلاق مختلفة، فإن التقدم الذي تم إحرازه كان مدعوماً بالإرادة السياسية اللازمة لقياس النتائج والتعلم من المحصلات، وتحديد المسار المستدام للتغيير، وتنفيذ الاستثمارات الذكية الفعّالة.
ولتعزيز القدرة على تعلم الكيفية التي تتمكن بها النظم من تحسين أدائها، شَرَع البنك الدولي في تنفيذ مبادرة كبرى لتقييم جودة السياسات التعليمية في مختلف أنحاء العالم. وسوف تفيدنا قواعد البيانات الجديدة في إعداد بيان مفهرس بالسياسات التي تبنتها الدول المختلفة لتعزيز العملية التعليمية في كل قسم من أقسام النظام التعليمي، وفي مجالات تتراوح بين السياسات الخاصة بالمعلمين إلى تقييم الطلبة إلى آليات تمويل المدارس. ويتلخص هدفنا في تيسير انتشار السياسات والممارسات الجيدة، والسماح للبلدان بالاستفادة من مجموعة متنوعة من الأساليب والتوصل إلى فهم جيد لتلك الأساليب التي قد تنجح في كل من هذه البلدان.
إن الحجة المؤيدة لضرورة تحسين الأنظمة التعليمية بالغة القوة والإلحاح. فما علينا إلا أن نتخيل صورة لعالمنا بعد عشرين عاماً من الآن إذا تمكنا من تعليم جيل جديد من الشباب بالنحو الذي يمكنهم من امتلاك القدرة على الإبداع والمهارات اللازمة للتصدي للتحديات الاقتصادية والتكنولوجية العظيمة التي ستواجههم. ولنتخيل بشكل خاص أن كل الفتيات حصلن على حقهن في التعليم، وكل ما سيترتب على ذلك من فوائد عظيمة في مجالات مثل النمو السكاني، والصحة والرفاهة الاجتماعية، وتخفيف حدة الفقر، وحقوق الإنسان، والسياسة.
والآن تخيل البديل والعالم الذي قد ينشأ عن ذلك البديل، ثم اسأل نفسك: في أي عالم من هذين العالمين أريد أن أحيا؟

*مدير إداري لدى مجموعة البنك الدولي، ووزير سابق للاستثمار في مصر.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق