عيسى الشعيبي

العيد بين زمنين مختلفين

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 10:38 مـساءً

لفرط ما باتت عليه حياتنا المعاصرة من تعقيدات لم تكن تخطر على بال الآباء والأجداد، ولكثرة الهموم والاهتمامات وضآلة الممكنات وتراكم الصعاب وتزاحم الأولويات، تبدل مغزى العيد عما كان عليه في الأصل، وتغير مفهومه القديم كيوم للحفاوة والتراحم والتكافل، وكل ما يمت لفطرة الإنسان ويغلب عليه من سجايا أساسها التواضع والمحبة والتسامح، وما إلى ذلك من خصال كريمة صارت عملة نادرة في هذا الزمان.
كانت عوالمنا الشخصية فيما مضى من زمن غير بعيد عوالم صغيرة، والمدركات الذهنية فيها قليلة، والمشاكل التي لا تبارح حياة الإنسان بسيطة، والمتطلبات عادية وفي متناول اليد مهما كانت قصيرة. حتى المسافات بين الناس كانت قريبة، فيما المشاعر البينية كانت أكثر دفئاً، والتحيات المتبادلة أعمق صدقاً وأطيب، وهدايا العيد على محدودية تكاليفها وبداهتها كانت أشد بهجة مما عليه الحال في هذه الأيام الصاخبات من الفجر إلى النحر.
     على خلفية هذه الاستعادة التأملية لأيام العيد الخوالي، يمكن فهم كل هذا الحنين الجارف، الذي يستبد بالكبار ويجعل متوسطي العمر بيننا يتحسرون على ما فاتهم من سنين ذات إيقاع مختلف، ومذاق أكثر سلاسة في الفم، وبهجة أجمل حضوراً في النفس، إلى الحد الذي يكاد فيه المرء يطلق تنهيدة من القلب تحسراً على زمن انقضى إلى غير رجعة، ويكتم بالمقابل صرخة حبيسة في الصدر إزاء ما يتفاقم في حياة اليوم من مخاطر داهمات.
     وباعتبار أن الناس ينظرون، كل من زاوية رؤيته، إلى مناسبة العيد بمنظار مختلف، ويستقبلونه على نحو يتوافق مع آمالهم المتفاوتة عرضاً، وآلامهم المتدرجة وجعاً، ناهيك عن ذكرياتهم ومعارفهم وأحوالهم المعيشية، فإنه يمكن القول إنه بات لكل منا في هذا اليوم عيد مغاير عمن حوله، حتى داخل الأسرة الصغيرة، فما بالك والاختلاف أوسع مدى داخل المجتمع وفي إطار البيئة المحيطة، حيث عيد الصغير ليس كعيد الكبير، ولا هو عند الغني كما هو عند الفقير، وبالطبع ليس لدى العليل مثلما هو لدى العفيّ وقس على ذلك الكثير الكثير.
والحق كل الحق على ثورة المعرفة التي جعلت عالمنا صغيراً، وفتحت حدقات عيوننا على ما لم نكن ندركه سابقاً ما تتوالى فيه حقائق ووقائع ومتغيرات كانت تحدث ونسمع عنها، فيما غدت الآن ملء الأسماع والأبصار، تحتشد أمامنا على الشاشة الصغيرة كل صبح ومساء، وتهطل عبر الفضاء الإلكتروني، بلا انقطاع من كل حدب وصوب، إلى أن بات المرء مخلوقاً عولمياً، وكائناً استهلاكياً مفرطاً في تناول الطعام والأخبار والمشاهد فور وقوعها في أقاصي الأرض.
وهكذا تغير العيد بين زمنين مختلفين، وتغير المحتفون به بين جيلين أو أكثر، وتبدلت المفاهيم والقيم والمثل والمبادئ من عهد إلى عهد، إلى درجة يكاد المرء المسكون بذاكرة العيد في صباه البعيد ألا يتعرف على عيد هذا العصر الآتي من مكان قصي، القائم على أعراف لا تمت بصلة إلى ما درج عليه قبلاً من تقاليد ملؤها البساطة مع الغير، والتصالح مع النفس، والاطمئنان إلى الغد، أي على عكس ما ينطبق به واقع العيد في هذا الزمن الانقلابي على كل شيء.
وإذ نغتنم هذه الإطلالة في هذا اليوم المبارك لتقديم التهنئة بالعيد، وتزجية التحيات الطيبات للجميع، فإن ما يثقل على النفس في هذا اليوم، ربما أكثر من أي يوم من أيام السنة، وعي حقيقة أن آلاف الناس بين ظهرانينا، وفي الجوار غرباً وشمالاً على وجه الخصوص، لن يتمكنوا اليوم من الاحتفال بالعيد كغيرهم، إن لم نقل أنه سيشتد عليهم الألم، وتحرق الغصة حلوقهم، لهول ما يستعيدونه من ذكريات مبرحة، ويستحضرون وجوه أعزاء قضوا نحبهم في هذا الربيع العربي الغارق في دم فرسانه الغر الميامين.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق