النقل والمدينة

تم نشره في الجمعة 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

لفت انتباهي، بينما كنت أحاول التدقيق في مدى إقبال الكوريين على الالتحاق بأعمالهم في صبيحة يومي الأخير في سيؤول، أن المدينة خاوية؛ الشوارع لا يمشي فيها أحد تقريباً، والهدوء يعم المدينة كما لو أنه يوم عطلة. أما السبب، الذي عرفته ما إن نزلت إحدى محطات "المترو"، فهو أن المدينة كلها تقريباً تكون –في الصباح- تحت الأرض!
وقالت لنا محدّثتنا الكورية ذات يوم، بينما كنا نسأل عن شوارع المدينة، إنها –تقريباً- تضيع في سيؤول ولا تعرف تحديد الاتجاهات والشوارع، ذلك أنها لا تستخدم في تنقلها اليومي سوى "المترو" الذي يقطع المدينة طولاً وعرضاً في أنفاق تحت الأرض، فكيف لها أن تعرف الشوارع؟!
وظني أن وسيلة النقل التي يستعملها أهل المدينة، تكون وسيلتهم أيضاً لصياغة علاقتهم ببعضهم وعلاقتهم بمدينتهم. إنها بدون شك أداة ثقافية، بالمعنى السلوكي للكلمة. ففي "المترو" يمارسون جميعهم السلوك نفسه: على كل منهم أن يقطع التذكرة بنفسه آلياً، ثم أن ينتظر دقائق معدودة لوصول "القطار"، ليجلس بعد ذلك في الكابينة، أو لا يجلس، حسب المتوفر. وقد يكون ضرورياً استعمال الخريطة لتبديل الخطوط، والإسراع ساعتها للالتحاق بالخط الجديد في الوقت المناسب، والانتباه طبعاً للمحطة المناسبة للنزول، والمخرج المناسب للعودة إلى سطح الأرض!
ثمة في المدينة، إذن، قواعد مشتركة للسكان، عليهم التزامها وممارستها، بدون أن يتدخل أحد في شؤون أحد، أو يقلق استقلاليته التامة وخصوصيته، حتى لو كانت كابينة "المترو" ممتلئة، لا موطئ لقدم فيها! أليست تلك "أعرافا" اجتماعية صنعتها وسيلة النقل في المدينة، والتي تنقل الآلاف في كل رحلة، ومئات الآلاف في كل يوم، على الأقل، ولم تكن ممكنة من خلال التكسي مثلاً أو الباص الذي ينقل العشرات، ولا من خلال السيارات الخاصة طبعاً؟
"المترو" شائع في معظم المدن الكبيرة، في مختلف أرجاء العالم. لكن خبيراً في النقل أكد لي أن سيؤول هي الأولى في العالم من حيث نظام النقل العام. "المترو" في سيؤول مختلف، شكلاً وتعقيداً، لكن ذلك التعقيد لا يمنع كافة الفئات العمرية من استعماله؛ فالكبير والصغير استطاعا فهم لغة المترو وأن يتواصلا مع مدينتهما من خلالها.
"فضل المترو"، إذن، أنه يوحّد طبيعة تواصل الناس مع مدينتهم، ويؤكد احترامهم لـ"مواطنية" بعضهم بعضا أيضاً. ذلك هو الدور الثقافي للنقل العام الذي يوحد مصالح الناس، فيوحد إخلاصهم لمدينتهم التي يتشاركون فيها، حتى لو لم تكن ثمة حاجات "عاطفية" تجاه المكان!
حين يكون ثمة حاجة، في مدينة ما، لتنمية سلوكية باتجاه احترام الممتلكات العامة، والحفاظ على شكل المدينة ونظافتها، فإن النقل العام يمكن أن يمارس قوة دافعة لتلك التنمية، من خلال جعله "السلوك الجديد" القائم على الحفاظ الجماعي على الممتلكات العامة، مصلحة حقيقية لكل فرد. التنمية يمكن إنجازها من خلال المصلحة، ويمكن الحكم عليها بالفشل حين لا تأتي بمصلحة جديدة للسكان، أو لا تلبي حاجاتهم الملحة.
قد نتعاطى مع النقل العام باعتباره غاية وضرورة لتطوير المدينة وتنظيمها، لكنني، كمشتغل بالشأن الثقافي، لا يمكنني النظر إلى النقل العام إلا كوسيلة للتنمية الثقافية. هكذا، يمكن للمدن أن تبني نظاماً ناجحاً للنقل العام، أياً كانت وسائطه، إذا لبى مصلحة سكانها وخلق بينهم لغة مشتركة تجعل "الانتماء" للمدينة مصلحة لكل فرد، فضلاً عن كونها ضرورة أخلاقية وعاطفية، فيما أن نقلها العام سيفشل إذا لم يستطع أن يلعب ذلك الدور، ويخلق تلك اللغة.

samer.khair@alghad.jo

التعليق