د.باسم الطويسي

فلسطين محمية ثقافية

تم نشره في الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

يتجاوز حصول فلسطين على العضوية الكاملة في منظمة اليونسكو المسألة الرمزية العابرة، بل إن هذه الخطوة تعيد الصراع إلى صفحته الأولى التي طالما أهملت من قبل الطرف العربي والفلسطيني ولم تمنح التقدير الموضوعي، ولم نعترف أن مفاصل خطيرة في الصراع حسمها الرأي العام العالمي ومن منظور ثقافي. وعلى قدر ما تكشف هذه الخطوة عن عناصر قوة في إدارة الصراع تم إهدارها مجانا، تكشف مدى المستوى المعقد الذي وصل إليه الصراع، وكأننا نقف اليوم في أبعد نقطة في تاريخ الصراع على الحل.
النزق الأميركي الحاد يفسر جانبا مما وصل إليه الموقف من تعقيد، ويبدو ذلك في حجم الإصرار والعناد على منع الفلسطينيين من العضوية الكاملة في اليونسكو، حيث خاضت الولايات المتحدة معركة دبلوماسية استخدمت فيها كل أدوات التهديد والوعيد والترغيب والرشى من أجل الحيلولة دون تصويت العديد من الدول لصالح هذا القرار، ما وضع كل الرهان الأميركي على المحك، وأن الكيان الإمبراطوري الضخم لا يتغير.
فكل القيم العظيمة التي تسوق في حدائق الربيع العربي، والتي تقدم الولايات المتحدة نفسها وصية عليها، تلاشت في لحظة التصويت على القرار الأممي، وكأن الإمبراطورية التي تعاني من فائض القوة تغار من فخار فلسطين ومن تراث مدنها العتيقة وقراها الحزينة! بل تبدو الحدة والروح الانتقامية أكثر انفعالا كما بدت في الإعلان السريع بأن الولايات المتحدة ستقوم بوقف مساهمتها في دعم ميزانية اليونسكو.
يمكن للفلسطينيين استثمار هذا الإنجاز في تحويل المضمون الثقافي قوة سياسية وأداة سياسية قاسية تحديدا في ملف القدس والمدن الفلسطينية التي تتعرض لموجات استيطان لا تتوقف. من اليوم يمكن أن نتحدث عن الحق في تحويل فلسطين إلى محمية ثقافية، وهو السلاح الذي طالما أهمل. كما أن تغيير وضع الفلسطينيين في منظمة اليونسكو من صفة مراقب، منذ العام 1974، إلى وضع عضو كامل سيتيح لهم تقديم طلبات للاعتراف بمواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضمن التراث العالمي للإنسانية؛ إذ يعتزمون ترشيح بيت لحم والحرم الإبراهيمي في الخليل ليكونا من ضمن مواقع التراث العالمي التي تتمتع بحماية خاصة.
اشترت إسرائيل العالم وباعته على مدى ستة عقود بالسياسة والدعاية ذات المضمون الثقافي. وتثبت الأحداث أن هذه البضاعة ستبقى قابلة للتسويق حتى في لحظات التطرف الحالكة التي تفرضها النخبة الإسرائيلية الحاكمة؛ فقانون السلوك السياسي الإسرائيلي في البيئتين الدولية والإقليمية قام على مبدأ الاصطياد العدواني في لحظات فاصلة، مقابل التسويق السياسي-الثقافي الناعم. فكلما ازداد بروز مخالب الماكنة العدوانية في الحرب والتدمير والتهجير والإبادة والتطرف، كانت إسرائيل تدفع بقفزة غير متوقعة في استراتيجياتها الدعائية القائمة على مقولات وأدوات ثقافية، وتعيد إنتاج صورتها من جديد.  اليوم، تملك إسرائيل جرأة المغامرة التاريخية بأن تواصل عدوانيتها القاسية مع استمرار تصعيد نخبة متغطرسة ومتطرفة من طراز ليبرمان، وهو ما يجعلنا أمام انتظار معركة دعائية ساخنة مضمونها الفعلي الصراع على الثقافة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قطع الطريق (علي خليل)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    بالفعل هل تغار الولايات المتحدة من فخار فلسطين ومن تراث مدنها الحزينة ’ هل نستطيع ان نبني على هذه الخطوة اما ان هناك توافق دولي على منح الفلسطين هذه العضوية من اجل الوقوف في وجه الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، اي محاولة استرضاء