حقوق الإنسان في معسكر أشرف

تم نشره في الأحد 30 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 30 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 01:03 مـساءً
  • › مقالات سابقة

المتابع لما يجري في معسكر أشرف في العراق من أعمال قمعية مورست ضد سكانه العزل، وخصوصا ما حدث من خلال الهجوم الذي شنته القوات العراقية في 28 و29 تموز (يوليو) 2009 والذي حصد أرواح 11 من سكان المعسكر وأصاب أكثر من 500 منهم بجروح، ثم المجزرة التي ارتكبتها القوات العراقية في 9 نيسان (أبريل) 2011 وأسفرت عن 36 قتيلا بينهم 6 نساء ونحو 325 جريحا، ثم الحصار الخانق واللاإنساني المفروض على سكان المعسكر وفيهم النساء والشيوخ والمرضى والجرحى، وما يتعرض له كل هؤلاء من صنوف الحرب النفسية عبر مكبرات صوت تدوي في آذانهم على مدار الساعة، إنما يدلل بشكل لا يدع مجالا للشك أن معسكر أشرف تحول إلى سجن كبير بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بل إن المعسكر أصبح فرن غاز كبير أشد فتكا من أفران النازية.
لا أدري كيف يمكن لك أن تتخيل جريحا أو مريضا في "أشرف" يذوي أمامك ويغرق في غيبوبة الموت، من دون أن تستطيع أن تفعل له شيئا! فلا كهرباء ولا دواء ولا غرف عمليات، لا شيء في "أشرف" على الإطلاق غير الموت! هل تساءلت أيها الإنسان في هذا العصر الذي يتشدقون فيه بحقوق الإنسان، بل حتى بحقوق الحيوان، هل تساءلت بينك وبين نفسك عن مجتمع دولي يغمض عينيه عما يجري في معسكر أشرف، مثلما أغمض ويغمض عينيه عما يجري في قطاع غزة المحاصر؟
هذا العالم قام ولم يقعد بسبب ما يسمى بالهولوكوست الذي ابتز به اليهود العالم بأسره، ماديا وعاطفيا، مع أن ما يجري في "أشرف" اليوم يمارس بطريقة أبشع من الهولوكوست؛ فالموت جوعا أو بردا أو حرا أو برصاص القناصة أكثر إجرامية وأشد من الموت بأفران الغاز.
نلوم أنفسنا كعرب أيضا قبل أن نلوم العالم. فالحكومات العربية تعيش صمتا غريبا حيال هذه المسألة؛ لا تفعل أي شيء غير إصدار بيانات الإدانة والشجب المخففة على استحياء شديد، فلا تريد إغضاب الحكومات العربية الأخرى ولا إحراج حليفتها أميركا.
جميع الدول الأوروبية وقفت إلى جانب بلغاريا في قضية خمس ممرضات اعتقلن في ليبيا بتهمة حقن أطفال بفيروس الإيدز، ولم ترفع الحصار عنها إلا بعد الإفراج عن الممرضات، رغم أنهن كن يعشن في فيلات مكيفة ومجهزة بأحدث وسائل الراحة.
جميع الدول الأفريقية وقفت إلى جانب نيلسون مانديلا في حربه العادلة ضد النظام العنصري، وقدمت آلاف الضحايا، وفتحت أراضيها لحركة المقاومة، ومدتها بالمال والسلاح والرجال حتى أطاحت بالنظام العنصري، ولم نسمع أن أي دولة أفريقية عايرت مانديلا، أو تمننت عليه بالوقوف إلى جانبه، وما ترتب على ذلك من خسائر اقتصادية أو بشرية لشعبها. فيما نحن العرب نقف موقف المتفرج من قضايانا وما يجري حولنا لإخواننا العرب والمسلمين، ولا نرفع على الأقل معنويات المضطهدين في معسكر أشرف، فسكان هذا المعسكر يعطوننا درسا بليغا في تصديهم للحصار والتجويع، هم يواجهون الموت بعزيمة قوية، وإيمان صلب بعقيدتهم وهويتهم، رغم كل هذا العقوق من قبل العرب والمسلمين.
صمود "الأشرفيين" هو الذي يربك أعداءهم ويفضح صورتهم أمام العالم بأسره، ويكشف مدى تعطشهم لقتل الأبرياء وإبادة "شعب صغير"، وممارسة أبشع أنواع العقوبات الجماعية في حقه. وهذا دليل يأس أعدائهم وليس مؤشر قوة، وتعبير عن هزيمة داخلية.

التعليق