الخبر "الضائع" في محاكمة أولمرت

تم نشره في السبت 29 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

كرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في الأيام الأخيرة تلميحه إلى أن المؤسسة الإسرائيلية أوقعت برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في سلسلة قضايا فساد ومن ثم محاكمته، لكونه تقدم في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. ولم تتوقف الحلبة الإسرائيلية كثيرا عند هذا التصريح الذي يندرج عندها في "نظرية المؤامرة". ولكن مؤامرة بهذا المستوى ليست مستبعدة إطلاقا عن النهج الإسرائيلي، رغم أن أولمرت حتى وإن كان صادقا في ما طرح، فإنه كان أضعف بكثير من أن يكون قادرا على طرح حل للصراع على الرأي العام الإسرائيلي والحصول على الأغلبية.
ورغم ذلك، فإن الرئيس أبو مازن بتصريحه هذا يفتح ملفا من الجدير الالتفات اليه، ليس دفاعا عن أولمرت، أو السعي لإظهاره "حملا وديعا" سقط في شراك مؤسسته، فمهما قال ومهما أبدى من مواقف، يبقى هو من شن حربين على الشعب الفلسطيني وحربا على الشعب اللبناني في غضون ثلاث سنوات، وبنى في المستوطنات والقدس المحتلة ليس أقل مما بنى سابقوه. وإنما الالتفات هو من أجل تسليط ضوء على بعض خفايا النظام والمؤسسة المسيطرة في إسرائيل.
في مساء يوم السابع من شباط (فبراير) 2008، نشرت القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي خبرا يقول إن جهات يمينية إسرائيلية متطرفة، مدعومة من أثرياء يهود وغيرهم في الولايات المتحدة، وأيضا في إسرائيل، تسعى في الآونة الأخيرة للإيقاع برئيس الوزراء أولمرت بقضايا جنائية تطيح به. وقد بثت القناة في نشرتها تسجيلات صوتية لمحادثات جرت بين محقق سري خاص، وبين ممثلين عن هذه الجهات، وتبين فيها أن عناصر يمينية تحاول إقناع "المحقق" بأن يُحْضِر وثائق من شأنها أن تورط أولمرت في قضايا جنائية تتعلق بفساد السلطة. وفي أحد التسجيلات تبين أيضا أنهم عرضوا عليه مبلغ مليون دولار في حال ظهر أساس لهذه الوثائق.
بعد أكثر من شهرين من هذا النبأ، تفجرت قضية شبهة فساد كبيرة ضد أولمرت، تدعي حصوله على أموال ضخمة من "متبرع" يهودي من الولايات المتحدة، معروف بارتباطه الوثيق بقوى اليمين المتطرف، وكان هذا في سنوات سبقت عودة أولمرت إلى الحكومة في العام 2003. ثم توالت القضايا، بعد أن سبقتها قضايا أخرى، أغلقتها النيابة بسبب ضعف الأدلة أو عدم وجود ما يدين أولمرت.
ومقارنة مع قضايا فساد تورط بها سياسيون آخرون، وهم كثر، فإن وتيرة معالجة ملفات أولمرت كانت بسرعة غير مسبوقة. ففي غضون خمسة أشهر، صدر قرار بتقديم لائحة اتهام ضده، وتقديمه للحاكمة، ما اضطره للاستقالة. ومن هنا كانت الطريق قصيرة جدا للانتخابات التي أطاحت بحزب "كديما" عن السلطة.
وفقط من أجل المقارنة، فإن الشرطة والنيابة الإسرائيليتين تحققان في قضايا فساد قيل عنها إنها تشكل سابقة من حيث حجمها وخطورتها، متورط فيها وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وقد بدأت هذه التحقيقات في العام 2003، وتسارعت قبيل انتخابات العام 2009، وبعد تلك الانتخابات أعلنت مصادر شرطية أن قرار تقديم لائحة الاتهام سيصدر بعد بضعة أسابيع، لنرى لاحقا أن القرار الأولي صدر بعد 28 شهرا، والقرار ما يزال معلقا. وسيحتاج القرار النهائي بمحاكمة ليبرمان لأشهر طويلة، وقد يكون في النصف الثاني من العام المقبل.
والأمثلة لا تتوقف عند ليبرمان، بل هي كثيرة. وكذا أيضا بالنسبة لحالات التخلص من سياسيين. فبعد أيام قليلة ستحل الذكرى الـ16 لاغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين الذي، كما قيل لاحقا، ذهب "بعيدا" في مفاوضاته مع القيادة الفلسطينية. وقد تم التستر على كثير من جوانب جريمة الاغتيال وجرى "لفلفة الموضوع" بشكل سريع، والتركيز فقط على الإرهابي منفذ الاغتيال. ولكن أسئلة كثيرة ما تزال مفتوحة، وهناك من يتحدث عن مؤامرة متشعبة متورط فيها أحد أكبر السياسيين البارزين في إسرائيل.
هناك حساسية زائدة من التعامل مع نظرية المؤامرة في شتى القضايا، ولكن حينما نتحدث عن إسرائيل، يجب أن لا يغيب عن بالنا أن المؤامرة كحقيقة هي ركن أساسي في السياسة الإسرائيلية.

التعليق