د.أحمد جميل عزم

دورية غير عسكرية

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً

مع نهاية روايته "ماء السماء"، أصبح متوقّعا أنّ شخصية الفتى راضي ستكون محور رواية يحيى يخلف التالية؛ فهذا الفتى يبدأ الاهتمام بالعمل الفدائي نهاية الخمسينيات في شمال الأردن، وتحديدا في مخيم إربد. وبما أنّ يخلف ذاته دخل العمل الفدائي في تلك الفترة، فقد منّى القارئ النفس بمشاهد وتفاصيل تلك المرحلة.
استوقفني عند نهاية الرواية ظهور شخصية "ماء السماء"، الفتاة التي عثر عليها بعض أهالي المناطق المحيطة ببحيرة طبريا في فلسطين، بين الأشواك العام 1948 فتبنوها، وعاشت معهم في مخيمات لبنان. ولكني لم أفهم لماذا عنون روايته باسم هذه الفتاة التي تظهر فيها على نحو عابر تقريبا!
ربما خطط يخلف بذلك لروايته التالية. فماء السماء هي بطلة الرواية الجديدة "جنة ونار"، التي تستأنف سلسلة رواياته التي تؤرخ لقضية فلسطين. ولكن السؤال الحائر: هل كان الحديث عن الزحف السلمي للوطن في ذهنه، وهو الشخصية الفاعلة في الثورة الفلسطينية زمن السلاح، أم أنّه أثر الربيع العربي؟
يقدّم يخلف في "جنة ونار" بعض ما توقعه القارئ عن بدايات العمل الفدائي. ويقدّم، وهو اليساري في حركة "فتح"، معالم من التنافر الذي برز بين يساريين وإسلاميين (قواعد الشيوخ) من الذين أرادو العمل تحت مظلة الحركة حينها، ومشاهد أخرى عن المتطوعين القادمين من الغرب. ونتابع حياة أسر المخيمات والشتات بشقائها وجمالها، وإن غلب الجمال هذه المرة البؤس الذي اكتنف رواية "ماء السماء". وفي وصفه جمال فلسطين، كان يخلف كمن يكتشف وجوهاً جديدة للجمال، فقد أعاد وصف أماكن وصفها في رواياته السابقة، ولكنّه يكتب في "جنة ونار" كمن يتبدى له في كل حين جمال جديد ومذاق آخر للمكان ذاته، فيخبرنا عنه بوصف جديد!
تفوق يخلف على نفسه في هذه الرواية وهو يقدّم حبكة غير عادية، أنثربولوجية، بوليسية، فنية، ووطنية بامتياز؛ فالفتاة "ماء السماء" تكتشف أنّ من عاشت معهما ليسا والديها، وتبدأ البحث منطلقة من الملابس المطرزة التي عُثر عليها معها، فتستعين بباحثين متخصصين في التاريخ والحضارات، وكبار السن العارفين بتراث وجغرافيا وديموغرافيا فلسطين، لتحليل تطريز الثوب، ليتعرف القارئ على معلومات وحقائق علمية تاريخية، قد تبدو أحيانا "دسمة" وأكاديمية لتتضمنها رواية، ولكنّ جاذبية السّرد تطغى. يبدو تتابع تحليل كل مفردة في الثوب، وارتباطها بجغرافيا وتاريخ فلسطين، أشبه برواية بوليسية لشارلوك هولمز، ولكن بقالب وطني، نتعرف أثناءه إلى ثوب بيت دجن، وتاريخ عسقلان في النسيج، ووادي الحمام قرب المجدل، وكيف يعطي لون الدم للبشرة لون القمح، والعادات الاجتماعية، وغير ذلك. وكلما اكتشفت "سماء" شيئاً من هذا اقتربت من معرفة أمّها!  ويبدو الثوب (جنة ونار) أحد أبطال الرواية.
وعندما تصل إلى معرفة اسم أمّها وأبيها، وتعرف أنّهم بقوا في فلسطين، تكون قد التقت مع "الانجليزي" فلسطيني الأصل، الذي يؤخذ إلى انجلترا صبيّا، فينضم للثورة مصطحبا آلة الكمان، ويعزف الموسيقى الغربية. حيث يطل القارئ بمشاهد مثيرة للخيال على "سيمفونية بيتهوفن الثالثة التي يمجد فيها بطولة الإنسان في كفاحه من أجل الحربة". تلتقيه "سماء" حيث يكون قد عرف أن بقايا عائلته في جنين، فيقرران دخول فلسطين عبر النهر، ويقنعان الفدائي القديم نجيب، بعد مشقة، أن يقودهما في دروب لطالما دخلها مقاتلا، وتصر زوجته بدرية على مرافقتهم.
دورية غير عسكرية من امرأتين ورجلين، على خطى الدوريات العسكرية التي كانت تخرج فيها مجموعات الفدائيين، ليست مشهدا خياليا، بل رمزيّ بالغ الجمال، وفيه دلالة على انتصار إرادة العودة! وما يزيد من دلالات المشهد، أنّ تُنشر الرواية متزامنة تقريبا مع مشاهد الشباب الذين زحفوا في ذكرى النكبة إلى فلسطين عزلاً إلا من حلم العودة. فهل هذا التزامن صدفة؟ وما هي دلالة ذلك السياسية والفكرية؟ كما تتزامن الرواية مع تحركات في مرحلتها الجنينية، لكثير من اللاجئين، من نوع الصفحة التي فكّر بإنشائها شبان ومهنيون بارزون على "الفيسبوك" بعنوان "بدنا نروح"! وإذا كانت "ماء السماء" رواية النكبة، فهذه رواية بداية العودة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مشكور (هيثم يخلف)

    الأحد 30 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    أشكر الدكتور أحمد جميل عزم على قراءته الجميلة لرواية الوالد وأتطلع للقائه في أقرب فرصة.

    كما أشكر السيدة نورا جبران من دولة الامارات العربية المتحدة لتحليلها الرائع.
  • »رواية الثوب الفلسطيني.. (نورا جبران)

    الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    لا زلت في بداية الرواية، وأدهشني أن أجد الطفلة "ماء السماء" تسميها في الصفحة (60) "رحلة البحث عن أمي"، وفي بحث الطفلة عن أصولها، بحث عن الأم، والوطن هو الأم!! لا شك أن يخلف يجيد اختيار شخصيات رواياته ويجعلها قادرة على التعبير عن الجمال بطريقة لافتة حد الألم! في ثلاثية النكبة "بحيرة وراء الريح، ونهر يستحم في البحيرة، وماء السماء" والتي يختتمها الآن "بجنة ونار" التي ينهي فيها حكاية النكبة، ويبدأ بخط سطور العودة، يحافظ يخلف على لغة أخّاذة، وقدرة مذهلة على النفاذ إلى الروح، وهذه المرة بالاحتفال بالهوية الوطنية الفلسطينية بأجمل رموزها "الثوب الفلسطيني" الذي تضرب جذوره 4500 عام، هي حكايا الكنعانيين وأساطيرهم في فلسطين، وكأن "ثوب الجنة والنار" الذي تشتهر به المجدل والذي انتقل سريعا بين مختلف مدن فلسطين، والذي يرمز فيه التطريز الأخضر إلى الجنة، والأحمر إلى النار، هو أيضا حكاية هذا الوطن، الذي نرى في قربه جنة، وفي النفي بعيدا عنه نارا تنهش غربتنا..
    عرض الرواية بحد ذاته فن، يعكس قدرة العارض على تذوق مواطن الجمال في الرواية، وقدرته على اختيار ما يحرض القاريء على قراءتها، ويعكس -حين لا يكون مجرد سرد للأحداث- ثقافة العارض وتجاربه الخاصة في الموضوعات ذات الصلة بالرواية، وتوظيفها بما يرافقها من أحداث ومستجدت على أرض الواقع..
    عرض جميل جدا ويحرض بالتأكيد على قراءة الرواية.. شكرا لك