الشارع لا جلسات المنتديات المغلقة!

تم نشره في الثلاثاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

لم يعد لجلسات العصف الذهني التي تبدأ وتنتهي وتدار بانتقائية مفرطة أن تغير من واقع الأمور على الأرض وكما هي اليوم، فنبض الفقراء والمسحوقين هو الأقوى، وصوت الشارع يكاد يكون الصوت الأوحد بعد فشل متراكم لأيديولوجيات الانفتاح والتضييق وفساد الأنظمة واستبدادها، لاسيما في فضائنا العربي.
الحناجر التي هتفت لحريتها في ربيع العرب وأطاحت بأنظمة استبدادية، كشفت في الجانب الآخر من الصورة مرارة أحوالها المعيشية وعمق الأثر الذي تركه الفساد المؤسسي في حياة الناس، ولما كانت المؤتمرات الانتقائية وجلسات العصف الذهني وأحاديث الغرف المغلقة لا تؤتي نفعا وظلت مبادراتها تراوح في مربع التنظير والكلام الفضفاض، تأتي صرخات الشارع أكثر نضجا وكذلك واقعية تمهيدا للبدء بطرق جديدة يكون فيها الإنسان الهدف الأول والأخير للتنمية والاستثمار والاقتصاد وأن لا يكون الهدف إثراء مزيد من الفاسدين.
الأسماء ذاتها تقريبا تتداعى إلى المنتجع السويسري شتاء والبحر الميت صيفا، ضمن منتدى يعيد إنتاج العصف ذاته كل عام، ولا يمكن اعتبار الأفكار التي تتخلق داخل أروقة المنتدى وصفات للحل، فهي مجرد أفكار، ويطرح في وسائل الإعلام العربية والعالمية ما هو أكثر عمقا وأدعى إلى تسليط الضوء، أما نتاج جلسات العصف الذهني في منتديات تشابه "دافوس"، فإنها تنطوي على ما يشبه وجهة النظر الواحدة، فالحاضرون في القاعة متشابهون في أفكارهم ويسعون أيضا لتعميق التشابه والحديث بلسان واحد، وكأن أسئلة أزماتنا الملحة والفساد المنتشر في محيطنا العربي تجد إجابات لدى مسؤولين سابقين وحاليين ومحللين يتأنقون بأجمل الملابس ويلهثون وراء إجادة الحديث باللغة الإنجليزية باعتبار أن فشلنا السياسي والاقتصادي في العالم العربي ذو أصول إنجليزية.
في التحليل الاقتصادي، ثمة مقارنات تدعو الكاتب الى الانحياز للشارع باعتباره مركز المصداقية ودونه العكس، ففي الشارع تجد أن الشعب يريد وهنا بيت القصيد، وفي منتديات النخب، فإن ثلة محدودة من نخبة حاكمة أو اقتصادية هي التي تريد، وفي الشارع تجد طيفا وتلاوين تعبر عن كل الناس بفقرهم وحزنهم ومستوى علمهم، أما في منتديات العصف الذهني الانتقائية فاللون واحد ومفرط في تشابه خيوطه، والتساؤل على نحو جاد عن علاقة كلاوس شواب رئيس منتدى دافوس بأنين الشارع العربي عموما، ولا أحسب أن هذا الرجل معني بالإجابة عن سؤال الربيع.
في الشارع يفاجئك طرح المشاكل والعمق في تحليل أبعادها، لاسيما فيما يتعلق بالفساد، أما في جلسات العصف الانتقائية، فالمواربة أكثر الملامح وضوحا والحديث الناعم عن الأنظمة يدفعك الى الخجل، فثمة دماء تسيل في الشوارع وهناك "زعماء" هاموا على وجوههم وآلاف الشهداء سقطوا من أجل قول لا للفساد والفاسدين، فيما يظل الحاضرون العرب الى دافوس في شتائه وصيفه ملتزمين بالحديث عن مبادرات التعليم لمحاكاة الغرب والاستثمار في قطاع الخدمات والصفقات ذاتها التي فاض منسوب الغضب في الشارع بسببها.
لا أحمّل "دافوس" مسؤولية العلاقة العبثية عربيا بين الحاكم والمحكوم، ولكنني لا أعتقد أنه المنبر المناسب اليوم لمناقشة معضلاتنا المتفاقمة، والأنسب أن نلتفت الى الشارع ونحاول الإجابة عن أسئلته المشروعة، وبخلاف ذلك، فإن كل نظريات الاقتصاد المعاصرة والأفكار الرقمية الخارقة والشباب المتأنقين الذي يجوبون قاعات قصر المؤتمرات لن يتمكنوا من خفض صوت محتج واحد فاض به الكيل ويسعى لإعادة إنتاج علاقات سياسية واقتصادية مقبولة في بلاده عنوانها العدالة والقضاء على الفساد والاستبداد.
شاركت في تغطية احتجاجات ومسيرات الشارع الأردني يوم الجمعة الماضي، وتغيبت قصدا عن تغطية منتدى دافوس، وأشعرني ذلك بالرضا كصحفي وكاتب، في محاولة لفهم نبض الشارع بعيدا عن الغرف المغلقة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حسنا فعلت (Bisan Alghawi)

    الثلاثاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    شكرا على المقال الجميل .. و شكرا انك عملت على تغطية حراك الشعب الاردني و تغيبت قصدا عن تغطية منتدى دافوس