التعرّي الإسرائيلي-الأميركي سياسياً

تم نشره في الثلاثاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

كل شيء في ملف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية بحاجة إلى مراجعة ومحاولة للفهم من جديد، بعد أن أغلق نتنياهو المتطرف كل الطرق، وبات غير صادق في أي شيء، حتى تعهده الأخير لحركة حماس في صفقة الأسرى برفع الحصار المفروض على قطاع غزة. وعلى رفاقنا في حماس ألا يبنوا عليه كثيراً، حتى لو كان الضامن لهذا التعهد أكثر من دولة، فقد تعودنا على أن نتنياهو يلحس كلامه دائماً منذ وصل إلى سدة الحكم في إسرائيل.
وليس نتنياهو وحده من يغير موقفه أكثر من 180 درجة، فالرؤساء الأميركيون لا ينطقون بالحق إلا عند خروجهم من سدّة الحكم. فالتصريحات الخاصة التي سرّبت نقلاً عن الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون حول موضوع التسوية في الشرق الأوسط، واعتبر فيها أن الطرف الإسرائيلي هو الذي يعرقل حالياً المساعي الحقيقية للوصول إلى تسوية متوازنة في المنطقة، لم نكن نسمعها عندما كان في سدة الحكم.
كلينتون اعتبر أن الذريعة التي طالما ردّدها الإسرائيليون بعدم وجود شريك سقطت، مشيراً إلى أن الفلسطينيين لطالما أرادوا السلام العادل والشامل، في حين أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تريد مفاوضات على قواعد جديدة لا يمكن أن يحتملها الفلسطينيون. كما أشار إلى أن عدم موافقة إسرائيل حتى الآن على مبادرة السلام العربية ينمّ عن عدم وجود تفكير سياسي استراتيجي فيها، إذ إن المبادرة -حسب كلينتون- تعدّ صفقة رائعة لهم، مؤكداً توقعّه استحالة قيام سلام في ظل حكومات على شاكلة حكومة نتنياهو.
ما جاء على لسان كلينتون يكشف مدى قدرة خروج رؤساء أميركا المتعاقبين عن سيطرة اللوبي اليهودي، واحتمالية ذلك أصلاً (!)، إذ إنهم يتبنّون سياسات موالية لإسرائيل، ثم لا يلبثون أن يكشفوا عن معرفتهم بالطرف الذي يعرقل التسوية، بعد فوات الأوان.
وفي آخر تطورات التسوية، فقد فشلت اللجنة الرباعية مرة أخرى في إعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات. ومع أنها حاولت أن ترضي الطرفين في بيانها في 23 أيلول (سبتمبر) الماضي، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل. إرضاء للفلسطينيين دعت "الرباعية" إلى سقف زمني للمفاوضات ينتهي نهاية العام 2012، ما أزعج تل أبيب التي ترفض أساساً مثل هذا "التقييد"، فردت على ذلك بالتحفظ. وإرضاء للإسرائيليين تجاهلت "الرباعية" أمر وقف الاستيطان، ما أثار حفيظة الفلسطينيين، فردوا بتحفظ مقابل. وبقيت الدعوة إلى المفاوضات معلقة إلى أن يطرأ جديد. والمؤشرات المتوافرة لا تشير إلى حدوث جديد يقرب موعد المفاوضات، بل عكس ذلك.
الحملة الدبلوماسية التي يخوضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس تشكل بالنسبة له قضية تستحق أن تبذل لأجلها كل الجهود، وأن تؤجل مقابلها باقي القضايا، بما في ذلك قضية المفاوضات واستئنافها. فهذه الحملة أظهرت تعاطفاً دولياً واسعاً مع الفلسطينيين، وأظهرت الإسرائيليين (ومن خلفهم الأميركيون) في حالة من العزلة السياسية أثارت حفيظة الكاتب الإسرائيلي إيتان هابر في "يديعوت أحرونوت" في 2 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، بحيث لاحظ أن الفلسطينيين، لقدرتهم على استقطاب الرأي العام العالمي لمصلحة قضيتهم، "أصبحوا يهوداً"، وأن اليهود، لفشلهم في المنافسة، "أصبحوا عرباً". لذلك يتوقع أن يتمهل الرئيس عباس لفترة غير قصيرة في التقاط دعوة "الرباعية"، بخاصة أنه بات على اقتناع أن قضية الاستيطان ووقفه أو حتى تجميده ليس من السهل تجاوزها أو حلها.
الأميركيون، وهم الذين على عاتقهم تقوم مهمة إزالة العوائق أمام مسيرة المفاوضات، يعانون بدورهم متاعب داخلية وخارجية، قد تبدو في عيون أصحاب القرار في البيت الأبيض وفي الخارجية أكثر إلحاحاً في الوقت الحاضر من بذل الجهد المطلوب لاستئناف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية. ولا تبدو في الأفق إشارة ذات قوة تشير إلى أن الأميركيين مقدمون على طرح مبادرة تجذب أبو مازن ونتنياهو إلى مائدة المفاوضات. ويبدو أن الرهان على دور للأوروبيين في ظل الانشغال الأميركي لا فائدة ترجى منه، في ظل التوافق الأوروبي-الأميركي غير المحدود في "الرباعية". أما روسيا، فيبدو أن اهتمامها بالملف السوري في الوقت الراهن، ولأسباب لا تحتاج إلى تفسير، يفوق اهتمامهم بالملف الفلسطيني.. وبذلك علينا الانتظار!

التعليق