د.باسم الطويسي

جيل جديد من الغموض الاستراتيجي

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

كيف يمكن تفسير الكشف عن "مؤامرة اغتيال السفير السعودي في واشنطن" والاتهام المباشر الذي وجهته الحكومة الأميركية للسلطات الايرانية، ولا يتم ذلك بدون إدراك حجم المعقول وغيرالمعقول عمليا في هذه الحادثة المفترضة، ثم حجم الاستعراض الإعلامي الذي صاحب هذا الاعلان، حيث تصطف مجموعة من الوقائع تشير لاختلال لحق بضبط نسق المصالح الذي حافظ على مساره خلال العقد الماضي بين الولايات المتحدة وإيران، وصاغ الجيل الثاني من سياسات الغموض الاستراتيجي، ويضع العالم اليوم أمام جيل ثالث من هذه السياسات؛ يُفهم في ضوء الأوضاع من سورية وموقف العراق منها وسيناريوهات الربيع العربي.
 إعادة ترتيب برنامج أولويات العالم خلال ربع القرن المقبل تتم في هذه الأثناء لتغذية حاجات التكيف مع إعادة إنتاج رأسمالية جديدة تعتمد على الاقتصاد السياسي والسلوك الإمبراطوري للدولة العظمى في لحظة تاريخية فاصلة، وسوف تسير هذه العملية التاريخية المقبلة وفق المؤشرات الراهنة في مسارات عديدة، أهمها أسلوبان تاريخيان ومتداخلان هما الحرب والعزلة.
وفي تتبع مضامين واتجاهات العلاقات بين البلدين، لا نجد أدق من توصيف الغموض الاستراتيجي الذي لم ينفك عن صبغ تلك العلاقات بصفاته، وكما يبدو في العديد من الملفات والقضايا، ففي بداية ما سمته الولايات المتحدة حربها على الإرهاب وفي أجواء حملات دعائية متبادلة، كاد موقف البلدين يتطابق حيث تَشكل نمط من التحالف الضمني عمل على دعم تحالف الشمال الأفغاني في مواجهة حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وسمحت إيران للطائرات الأميركية أن تهبط في مطاراتها في جنوب البلاد في الحالات الطارئة، كذلك تسهيل نقل الإمدادات داخل أفغانستان، ووصل الحد بأن يعمل الضباط الإيرانيون والأميركيون جنباً إلى جنب في دعم تحالف الشمال ضد طالبان والقاعدة.
ثم صعدت موجة جديدة في إظهار صفحة الخلافات والحرب الباردة بين البلدين، حينما أعلن الرئيس جورج بوش في خطابه الشهير حول حالة الاتحاد في مطلع عام 2002 عن تصنيفه لدول محور الشر، واضعاً إيران في مقدمتها، ولم تنقض إلا شهور قليلة حتى بدأت ماكنة التحضير للغزو الأميركي للعراق ليتزامن ذلك مع ظهور نمط جديد من الغموض الاستراتيجي في علاقات البلدين، فقد جاء الموقف الإيراني الرسمي ليثبت القدرة على الاحتراف في رسم حدود الغموض الاستراتيجي المطلوب لصياغة المصالح بعيداً عن الأيديولوجيا وعقل الثورة ومعتقداتها، حيث يتبادل سياسيون ومسؤولون من مواقع مختلفة لعبة التصريحات السياسية المتناقضة أحياناً. بدأ الأمر لمن يتذكر أو يوثق الأحداث بتصريحات وزير الخارجية كمال خرازي حول رفض الحياد في الحرب القادمة آنذاك، ثم تصريحات الأميرال علي شمخاني وزير الدفاع ثم تصريحات الناطق الرسمي الإيراني التي أكملت حلقة الغموض قبيل الغزو الأميركي للعراق، حينما قال "نحن نعارض هجوماً عسكرياً على العراق، لكننا لن نكون إلى جانب هذا البلد"، حيث دارت عجلة الأحداث والتقت المصالح الأميركية والإيرانية في واحدة من أغنى حلقات تاريخها المعاصر، ولكن هذه المرة حول العراق.
لا يمكن تقديم قراءة موضوعية وعقلانية لمستقبل الاستراتيجية الأميركية المنتظرة حيال إيران بدون الأخذ بعين الاعتبار جدول أعمال الولايات المتحدة للقرن بأكمله، فهنا وفي الشرق الأوسط شهدنا ميلاد النظام العالمي الجديد، ومن هنا تم تثبيت نقطة ارتكاز الفرجار الذي سيعيد رسم خرائط كثيرة في العالم، وهنا كادت أن تفلت الدفة من يد الولايات المتحدة وسط الساحات العريية، وبينما تستعيد واشنطن طرف الخيط تبدو حاجتها لغموض استراتيجي أو سياسة مكثفة ترسم ملامحها الطلقات.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق