عيسى الشعيبي

فيتو ما بعد الحرب الباردة

تم نشره في الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

كان حق النقض "الفيتو" الذي منحته الدول الكبرى لنفسها، وهي تضع ميثاق الأمم المتحدة العام 1945، تعبيراً عن توازن علاقات القوة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وليس واضحاً ما هي الاعتبارات أو المعايير التي تم على أساسها توزيع حق النقض بين خمس دول أعضاء دائمين في مجلس الأمن، بعضها لم يكن شريكاً حقيقياً في تلك الحرب مثل الصين، وبعضها الآخر كان في صف المهزومين مثل فرنسا، فيما كان لواء النصر معقوداً لدولتين كبيرتين حقاً هما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وعندما انقسم العالم بعد ذلك إلى معسكرين، واحتدم الصراع إثر ذلك بين الشرق والغرب، بات الفيتو سلاحاً رئيساً من أسلحة ما صار يعرف باسم الحرب الباردة، التي لم تضع أوزارها إلا في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي، حين ذهب الاتحاد السوفيتي إلى ذمة التاريخ، وغدا ميزان القوة بقطب واحد. آنذاك كان استخدام الفيتو يتم على نحو نمطي لا مفاجآت فيه، وفق قاعدة يحكمها تضارب العقائد بين المعسكرين اللذين خاضا حروباً بالوكالة، على النفوذ تارة وعلى المصالح تارة أخرى، ووظفا في إطار ذلك قدرات تسليحية ومالية ولوجستية طائلة، حيث كان الفيتو واحداً من أهم أسلحتهما في هذا الصراع.
غير أن هذه الصورة الكلاسيكية المستقرة في الأذهان العامة عن آليات استخدام الفيتو من جانب أصحابه في مجلس الأمن، تشوشت مؤخراً واختلطت فيها الألوان، بعد أن ورثت روسيا الاتحادية حطام الدولة السوفيتية، وجلست في ذات المقعد الدائم داخل مجلس الأمن، لتجد بين يديها سلاحاً لم تنفد مدة صلاحيته ولم ينثمل حده بعد. وليس أكثر دلالة على عشوائية ولامنطقية استخدام موسكو لحقها الموروث في اللجوء إلى حق النقض، من مشهد المندوب الروسي أوائل الشهر الحالي، وهو يرفع يده معترضاً على مشروع قرار يدين إفراط النظام السوري في اللجوء إلى العنف ضد المتظاهرين السلميين، الأمر الذي أثار اللواعج في نفوس كل من لديهم ذاكرة طيبة عن مواقف موسكو التاريخية المنافحة عن حق الشعوب.
وهكذا، انحدر الفيتو في هذه المرحلة، من أداة كانت تستخدم من جانب موسكو في نصرة الشعوب وحركات التحرر، إلى سلعة في سوق المزايدات السياسية، حيث تقول المعارضة السورية إن موسكو عرضت بيع موقفها الأخير على بعض الدول العربية، التي لم تشتر هذه البضاعة على نحو ما اشترته ذات مرة عشية الحرب الدولية على العراق.
وفي المقابل، ها نحن نرى أميركا التي لم يكن يساورها أي قلق في استخدام حق النقض لصالح إسرائيل، مصابة بالارتباك والحرج سلفاً، إثر التوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن لنيل اعتراف الأمم المتحدة بعضوية دولة فلسطين، حيث تبذل واشنطن اليوم كل ما في وسعها لتفادي استخدام الفيتو، بإحباط حصول هذا الطلب على النصاب اللازم لعرضه على التصويت.
من هنا تتجلى فوضى استخدام حق النقض في زمن ما بعد نهاية الحرب الباردة، وتتداخل قواعد الاشتباك في سياقه من جانب الدول الكبرى، بعيداً عن تلك الاصطفافات السابقة، وفي منأى عن المبادئ الأخلاقية، بل وحتى عن الذرائع التاريخية المتهافتة، الأمر الذي ينبغي معه فتح سجال سياسي حقوقي واسع حول صوابية الاحتفاظ بمثل هذا الحق الذي أكل عليه دهر المتغيرات الدولية وشرب، على مدى نحو ثلثي قرن من الزمن.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صحوة مفاجئة (وائل عثمان)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    لقد شكل مقال الكاتب عيسى الشعيبي حول استخدام روسيا والصين حق الفيتو في وجه الولايات المتحدة والمجموعة الأوربية فيما يخص الملف السوري ، شكل صحوة ، لدى الكاتب بأن تذكر هذه القضية ، مندفعا بتحليلاته التي لم يتذكرها حينما استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو عشرات المرات لصالح اسرائيل لاستمرار سحقها لشعب شردته من أرضه .
    وكم أتمنى على السيد الشعيبي أن يحتفظ بذاكرته أن الهجمة على النظام السوري لن تأتي الا بنظام أكثر سوءا منه .
    وائل عثمان