حنان كامل الشيخ

الشتاء جاء مبكرا

تم نشره في الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

غير عابئ بخطة الفقراء، الممسكين بتلابيب التوقيت الصيفي، الذي يمنحهم فرصا أطول خارج البيوت. الحسبة ستختلف كثيرا لو أن الشتاء وفى بعهده القديم، وحبذ أن يزورهم مبكرا، وينام فوق سقوفهم مطرا يزقزق فوق العلية، وبردا ليس له حل!
القابضون على جمر الحنين الى صوت الزينكو المبلل، لا يعيرون اليوم انتباها لرعشة البرد التي تسري في أوصالهم كلما تذكروا الشتاء القديم. كبر الأطفال وتعلموا حيل الخلاص وعلموها لصغارهم. لكنهم وهم في الأحياء الأكثر تمدنا؛ حيث صوبات الكهرباء والغاز والتدفئة المركزية، وربما أنابيب تحت البلاط، نسوا أن بيوتهم لم يهجرها الزمن، وهي الآن تنتظر بقلق بالغ أنباء الشتاء المبكر، بسكانها الجدد..
الشتاء جاء مبكرا..
بدون أن ينبه العشاق الى ضرورة "إنزال الشتوي"! اللفحة التي ستعبق برائحة دخانه، ستخطف عقل الصبية المسحورة أصلا بصوته وهو يقرأ مقالا لنوارة نجم. والكنزة التي ستنتقل وديا على أكتاف المحبين، حتى تستقر في حقيبتها الواسعة، ذكرى لا تبارح وسادتها الظمأى. والمظلة التي ستحشر أنفاسا بيضاء صنعتها ضحكات صغيرة، على الوحل الذي لطخ بنطاليهما، بعد أن تلقيا شتائم سائق العربة المغتاظ!
هم الآن في عجلة من أمرهم، يسابقون الليل الذي بدأ يسارع في تسلله. وينبشون خزانة الأحذية الشتوية، ويرجونها أن تركض بأقدامهم الى الوراء، علهم يجدون محبيهم على القارعة ذاتها التي فرقتهم، علهم يتصالحون بسرعة، ويمضون معهم شتاء آخر..
الشتاء جاء مبكرا..
متآمرا هذه المرة! على الحناجر التي مزقها الهتاف خوفا أن لا يستيقظ الوطن.. على الأكف التي ثقبها الغل من غلها على هروب الوطن.. على اليافطات التي ستموت من البرد وهي واقفة تمد يديها تستجدي مقدرات الوطن.. على البيات الشتوي القصري لبيانات تشتم سراق الوطن.. على خيم الخوف التي تتحايل على رياح القلق، وتستشيط حنينا كلما زارها كبير في خريطة كفيه صورة الوطن..
على مقالات وأشعار وقصص ستهتم بفاتورة الكهرباء والكاز والعدس، وتبديها عن فاتورة بيع وطن..
الشتاء جاء مبكرا...
لا بأس! سأمشي اليوم تحت مطره الأول عارية الرأس، وأتنفس رائحة التراب والخبز والقهوة الساخنة رغما عن النوافذ المغلقة، ولن أحزن على تقلبات الفصول الأربعة!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل جداَ (فؤاد حسن)

    الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    بالصراحه موضوع جيد
  • »الشتاء جاء مبكرا (هبه الجبعي)

    الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    الاسلوب رائع جدا جدا والى الامام ايتها الكاتبه
  • »------------ (تامر)

    الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    اكثر من رائع
  • »الشتاء وما اروع فصل الشتاء (iهديل علاوي)

    الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    من امجمل المقالات التي قرأتها , فعبر عن الشعور باجواء الشتاء . اهديكي تحياتي يا سيدة حنان وما اجمل هذا المقال .
  • »رد الى الاخ طير المهاجر (صفا مشاقبة)

    الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    انت مبدع بكلامك وراقي في طرح فكرك
  • »أعشقك يا الاردن وخصوصا عمان وزرقا (صفا مشاقبه)

    الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    كم مشتاق لك يا الاردن والله غياب شهرين ومش قادر أتحمل الله يفرجه ونرجع ونشم ترابك وشتا ينهمر كم هي حزينة بدونك ياوطن
  • »اختلاف (ف.د)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    في السؤال الذي تطرحه الغد في هذه النافذة يسألون ما رأيك ؟ و أنا أقول سكت الكلام ! فبعد أن جعلت الكاتبة من الأحذية الشتوية كائنا يرجوه العاشقون كي يعيد خطواتهم الى الوراء و يتصالحوا مع أحبائهم على قارعة الطريق ماذا يمكن أن يكون رأيي برأيك ؟!!!!!!!!!!
  • »مهاجــر (مهاجــر)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    سنوات طويلة عشتهافي بلاد المطر و في كل مره ينهمر المطر اتمنى أن يكون في الوطن كي يروي ظمأ أرضنا، اه كم نشتاق لك ايها الوطن اه كم أشتاق أن أمشي اليوم تحت مطره الأول عاري الرأس، وأتنفس رائحة التراب والخبز والقهوة الساخنة رغما عن النوافذ المغلقة، اه كم أشتاق لرائحة تراب عمان، اه كم هي قاسية لقمة الخبز.
  • »كم يلزم من الوقت؟ (سناء مفلح)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    انا عندي حنين ما بعرف لمين ؟ لقد ايظتني كلي هذا اتلصباح ,ايقظتي غجريتي التي اعتقدت بانها تعبت مس من مطاردتي في كل ركن ,اتفقنا على الدوام بان لكل شيئ موعد لا يحيد وهذا حال شتائنا الوفي مع عشاقه وحتى فقراءه اينما كانو ,ربما تنهار احلام فجاه ,ويطول طابور قليلا ,ربما بعض من فرح مرسوم على الوجوه يتحول لوجوم ,الشتاء يشبهنا ونحن كعادتنا نحاول ان نجعله على مقاسنا , ويبقى في الافق تباشير امل بشتاء رؤوم .مبدعه كعادتك صديقتي الوفيه .
  • »ارحموا اطفالنا من البرد في صفوفهم (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    اسلوبك السهل الممتنع رغم مطباته التي يجب ان نقف فجأة لنعيد قرأة ما تكتبين يا ايتها الأديبة الشابة حتى نتعمق باستعاراتها الأدبية الخلابة ..يا ليتنا يااديبنا الناشطة في الكتابة عن شاكلنا الأجتاعية بأن نطالبين وسيدات المجتمع بشن حملات لتدفئة مركزية لكل مدارسنا ، وخاصة الحضانة والأبتدائي.
    لآن وجه الطفل وهو يرجف من البارد القارص بداخل صفه .حيث يكون عقله متجمدا ايضا لاستيعاب الدرس
  • »الطير المهاجــر (خالــد الشحــام)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    كلمات معطرة بمثل ما نحب ، لا شك أنك صاحبة هذا العطر لهذه الصفحة........
    في وقعه الأزلي هو طير مهاجر ننتظره كي يشفي ملل أربعين سنة ولكنه في نهاية المطاف يسافر وترحل معه كل الاحلام المرتعشة ليس بردا ولكن شوقا ورجاءا كي لا يهجرنا و يذهب ، على وقع موسيقاه الساحرة تفرعت خيارات الأماكن وضاقت مساحة الذهاب في عالم القطرات ، ليس الحزن مرضا ولا سببا للموت البيولوجي في عالم اليوم وتشخيص الأطباء ولكنه بالـتأكيد نافذة مشرعة نحو الماضي المسكين المربوط بقيد طوله غير مرئي ، ثم جاء الشتاء مباشرة عقب الربيع كي يداوي جرحا ما حسبنا له دواءا وكي ننسى ما مضى ونعود للإرتحال بين مطارات السابقين واللاحقين ، الشتاء ليس جمعة الماء والجليد وهروب الشمس ولكنه جمعة الخلاص والانعتاق من عبودية دامت منذ وطأنا الأرض ، الشتاء ليس سحابا يمضي محلقا بين عالمين طاردا زرقة السماء ولكنه أعاد تعبيد دروب الحرية التي لم تطأ أرضنا يوما فاختارت السماء طريقا ، الشتاء لم يعد ارتعاش الفقراء من ظلمة الليالي والبلل في الطوفان ، اصبح الشتاء يتكيف طوع الأرواح والأجساد الملتهبة شوقا نحو الرجاء الصالح حيث تمتد رمال الصحراء بلا حدود بين دمشق وصنعاء وفلسطين ، في عهده السابق كان يكمم الأفواه ويمنع المتسوقين والمحبين من التنقل بحرية ولكنه في وعده الجديد هو يضمن لهم بأن يسرع نمو يافطات جديدة ويعجل لهم فتح المزيد من الرسائل السرية و الطرقات المغلقة الصماء ، الربيع في حسابات العام كان يانعا أخضر على مرأى الفقراء الفرحين
  • »شكرا.. (Amer)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    هذا الأدب الذي يأخذك بعيدا...بعيدا جدا..
    شكرا حنان
  • »كيف تكتبين ؟ (ali)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    كيف تكتبين ؟ بأقلامك أم بأناملك ؟
    هذه لوحة ...
  • »انا مثلك (سهام وريدات)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    جميل ما نثرتي من مطر يا حنان وانا ايضا تماما مثلك "سأمشي اليوم تحت مطره الأول عارية الرأس، وأتنفس رائحة التراب والخبز والقهوة الساخنة رغما عن النوافذ المغلقة، ولن أحزن على تقلبات الفصول الأربعة!ابدعتي عزيزتي
  • »رائعة (مصعب العناتي)

    الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    رائعة ايتها الكاتبة التي تجعل يوم الثلاثاء مبتهج وحنون