التغيير في الثقافة الشعبية

تم نشره في الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 01:12 مـساءً

ماذا يقول الناس بعيدا عن الشارع المسيس وبعيدا عن الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، وكيف يعبرون عن مواقفهم حول ازمات الحكومة والبرلمان الغائب والانتخابات المنتظرة، عن أزمات التعليم والجامعات ومدى إدراكهم لحجم الأزمة الاقتصادية القائمة والمقبلة؟
في التفاصيل ثمة سياسة صامتة تبدو في الثقافة الشعبية لا يمكن أن تكشفها استطلاعات الرأي العام، ولا الدراسات الكمية والكيفية، وثمة مفآجات في ممارسة التغيير أكثر من القدرة في التعبير عنه في المجتمعات المحلية.
الشعور العام للناس تعبر عنه بصدق وببساطة الثقافة الشعبية بممارسة السياسة الصامتة أو اللامبالاة التي تعبر أحيانا عن نقمة دفينة أو فجوة معرفة، وفي الحالتين تكشف التعبيرات السياسية في الثقافة الشعبية عن حجم إفلاس وسائل الإعلام وضعفها، وتداعي وضعف النخب على هوامشها.  
يغلب على الثقافة الشعبية طابعها الشفوي والعفوي، وعادة ما تجسد هذه الثقافة خلاصة تجارب المجتمعات الشعبية في نواحي الحياة المختلفة، ولا تعني شفوية الثقافة بأنها مجرد حكي، أو وقوعها في دائرة السطحية والبساطة.
الثقافة الشعبية تعبرعن خلاصة تجارب اجتماعية عميقة، وعن خبرة هذه المجتمعات في علاقاتها مع الآخرين والبيئة والتاريخ وعن علاقات القوة في المجتمع، وتعبر أيضا عن خلاصة موقف سياسي عميق ومدهش.
فكما تتسم الثقافة الشعبية بأنها لا تخضع للرقابة الرسمية والمؤسسية، ما جعل هذا النمط من الثقافة أكبر منتج لأشكال متعددة من التعبير السياسي، فانها تحمل أنماطا ثقافية تبريرية، حينما تلجأ الجماعات الشعبية للتعبير بطريقة ما عن عجزها في نيل مطالبها، وأحيانا بثقافة تستّر ترفض الاعتراف بالواقع، بل تضع ستائر تحجب رؤيته، وأخرى ثقافة مقاومة، وثقافة تغيير ونشر قيم جديدة.
وبكلمات أخرى الثقافة الشعبية تعد مستودعا ضخما يمكن توجيهها بالطريقة التي نريدها، وتحويلها إلى قوة مبدعة وواجهة قوية في مواجهة الأزمات.
لماذا تعد الثقافة الشعبية أحد جسور نشر قيم الديمقراطية في المجتمعات المحلية الأردنية؟ لأنها الأقرب لوجدان الناس، والأكثر قدرة على الانتقال من ثقافة أولية إلى وعي ومعرفة متقدمين، ثم ميل قيم الثقافة الشعبية المحلية ومعاييرها نحو قيم العدالة والمشاركة والرغبة في التغيير بالطبع.
كذلك، ما تملكه الثقافة الشعبية من وظيفة اجتماعية تبريرية وإقناعية تفوق غيرها. كلّنا نتحدث عن تغيير من دون مضمون واضح أو آليات محددة، حتى أصبحت مقولة التغيير مجرد موضة لفظية مفرغة المضمون ولا طائل منها، في حين قليلا ما نلتفت إلى أن أهم قانون للتغير الاجتماعي والثقافي، هو الانطلاق من الخصوصية الإيجابية، من رواية الناس حول ذاتهم قبل رواية الآخرين.
توجد مشكلة حقيقية في الثقافة السياسية السائدة في الأردن، أخذت تتضح منذ بدايات التحول نحو الديمقراطية في العام 1989، تتمثل في ابتعاد خطاب الإصلاح والتنمية السياسية وجهود نشر ثقافة حقوق الإنسان، عن واقع الناس المعاش، وتحديداً في المحافظات الأردنية.
الثقافة التي تحاول أن تنشر بذور التحول الديمقراطي قُدمت للناس بطرق ومضامين بعيدة عن تجارب وخبرات وتراث مجتمعاتهم.
لذلك، طالما تعاملت معها هذه المجتمعات بأدنى درجات الجدية أو الاهتمام، الأمر الذي نلمسه في تواضع استعداد المواطنين لممارسة المشاركة السياسية بأدواتها المعاصرة، التي تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي على المستوى الوطني، بالرغم من أن أعلى نسب الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع من هناك، وهم أكثر فئات المجتمع في ضعف ممارسة السياسة والضغط، وبناء التحالفات في الوصول إلى المصالح.
وتسود سيطرة الأشكال التقليدية في الممارسة السياسية، وعلى رأسها هيمنة العلاقات القرابية، وسيطرة القبائل والعشائر على السياسة المحلية، وبطء نمو المجتمعات المدنية، وعدم وضوح الخطاب المعبر عن ثقافة حقوق الإنسان، لكن هذه الثقافة نفسها قد تمتلك قوة إيجابية أخرى إذا ما تم توظيف عناصرها الإيجابية.
ثمة سياسة صامتة أقوى من ضجيج وسائل الإعلام، وتقول كلاما بليغا وحكيما وقاسيا في القرى والحارات البعيدة، وعلى أبواب الدكاكين في عشوائيات المدن.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق