د.باسم الطويسي

هل يضيع العرب اللحظة التاريخية الثالثة؟!

تم نشره في الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

 أضاع العرب فرص تحقيق الديمقراطية وبناء الإصلاح السياسي مرتين: مرة أثناء كفاح المجتمعات  العربية من اجل استقلالها حينما أعطيت الأولوية لقضية الاستقلال ولم تمنح الديمقراطية مكانة في مشروعها النضالي، ومرة بعد الاستقلال مباشرة فكان تأجيلها بسبب إعطاء الأولوية لبناء الاستقلال وادعاء حماية الدولة الوليدة. وفي كل هذه المرات غاب الحل أو المدخل المجتمعي والثقافي في البحث عن الديمقراطية، في اللحظة التاريخية الراهنة يبدو التحول الديمقراطي ثمرة ناضجة في متناول اليد بينما يبدو الاستعصاء أمام عاصفة الديمقراطية يركن الى ذات المصادر حيث تواضع في النضوج الثقافي في استيعاب الديمقراطية مرة وغياب العمق المجتمعي لقضايا الاصلاح السياسي مرة اخرى تحت وطأة اولويات الحياة اليومية وضغوط الواقع الاقتصادي، نلاحظ ذلك هذه الايام في الثورة على الثورة .
  إحدى مشاكل الدولة العربية الحائرة في فوضى خطابات سوء النوايا وحسنها وقلق الثورات واحتمالات انقلابها على الذات، يبدو في افتقادها القدرة على إدراك قيمة الحل الثقافي في العلاقة بين السلطة والمجتمع وفي بناء الديمقراطيات الجديدة، حينما تفجع النخب بأن جذور الاستبداد ومفرختها الأم تكمن في المجتمع، وحينما يجد اولئك الذين اشبعوا السلطة كل ألوان النقد بأن هياكل الدولة المهترئة أصبحت تقف على يسار المجتمع وهي التي تدعي قيادة التغيير، فجأة يبدو المجتمع بدون يسار ليس بالمفهوم الإيديولوجي، بل بالفهم الاجتماعي لقوى التغيير ودورها.
 في هذا الوقت تمارس الدولة بنخبها الجديدة وتلك التي حاولت الاستجابة للجديد الاسترخاء باسم التغير؛ فهي وحدها التي تسهر على إنضاجه، وهي وحدها التي تحارب قوى السكون والجمود، وهي وحدها التي تمارس التعبئة نحو الجديد والمختلف، يحدث ذلك بالعدة والعتاد الذي طالما مارس الاستبداد والإقصاء والمنع والخوف من التغيير والجديد، في حين يغيب الحل الثقافي الذي يقتضي بلورة وظائف جديدة للدولة.
  لقد عمل تيار المراجعة النقدية للفكر العربي المعاصر على الإسهام الجدي في انتقال الخطاب السياسي الفكري من فكرة الثورة إلى فكرة النضال الديمقراطي والإصلاح السياسي، منذ الربع الأخير من القرن العشرين يكاد يخلو بالتدريج خطاب هذه التيارات من الدعوة إلى التغيير بالعنف، في المقابل عادت الفكرة الإصلاحية الديمقراطية مرة أخرى تنهل من الحداثة السياسية السائدة في العالم المعاصر.
أمام التيار النقدي مهمة عاجلة وتاريخية تكمن في الحل الثقافي، وتقتضي الالتفات إلى حقيقة أن العرب ما يزالون يقفون على مسافة بعيدة من المفهوم المعاصر للدولة في الوعي والممارسة، بل إن فكرة الدولة في الوعي العربي ما تزال هشة ولا تملك حضورها في الوعي والوجدان والضمير الجمعي للناس، لأنهم باختصار لم يعتادوا أن يلمسوا آثارها في الحياة العامة باستثناء الاكراه السياسي والاقتصادي.
غياب المفهوم الواضح والصحيح عن الدولة هو الذي يحرمها من فهم مصدر الاستبداد السياسي وإمكانية الرد الفعال عليه، فلقد أدخلت الصدمة التي ولدتها حركة الاستعمار في الذهن العام فكرة خاطئة عن غاية الدولة ووظيفتها التاريخية حينما حصرت هدفها الأساسي في الاكراه السياسي والاقتصادي، وتجاهلت أن وظيفة الدولة الكبرى اليوم هي وظيفة ثقافية بامتياز؛ احد ملامحها مساعدة الجماعات التي تنضوي تحت لوائها على الاندماج في الوتيرة الراهنة للتطور الحضاري وتقديم الفرص المثلى لهذه الجماعات لاستيعاب قيم الدولة وآلياتها ووسائلها. والقصد من ذلك القول ان الفكر والممارسة السياسية العربية المعاصرة غاب عنهما إدراك أن الدولة لا تستطيع أن تكون منتجة ومنجزة ما لم تحظ بشرعية تاريخية مستقرة، وليس لهذه الشرعية من مصدر آخر إلا قدرتها على بناء كتلة ديمقراطية تاريخية، ربما تحدث مرة واحدة ولكنها لم تحدث لدينا.
مرة أخرى، سنجد النخب الفاعلة في المجال العام في هذا الوقت تتلذذ باسترخاء ما دامت هي التي تركب موجة التغيير وتقف يسار المجتمع الجديد بدون ان تكلف نفسها الدخول في عملية تاريخية لتعديل وظائف الدولة التقليدية نحو البحث عن حلول تراكمية قابلة للحياة تكمن في الأساس في عمق المجتمع وفي الحل الثقافي.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق