د.باسم الطويسي

الثورة مرت من هنا

تم نشره في السبت 1 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

ما تزال الوقائع في بلدان الربيع العربي تؤكد ان المستقبل القريب محفوف بالمخاطر والرياح المرتدة،  فالماضي ربما يطل برأسه من جديد في العناوين وحتى التفاصيل؛ هذا ما أراد ان يقوله مئات الآلاف من المصريين في جمعة استعادة الثورة أمس التي عبرت عن خوف وقلق عميقين على مستقبل الثورة.
 وهو الامر الذي يتكرر بشكل او بآخر بعد ان فرغ التونسيون من ترف الجدل الفكري حول العلمانية والدين والدولة، فيما يبقى الافق المسدود الممتد بين صنعاء وطرابلس مرورا بدمشق يحذر اليوم بكل وضوح من خوف مشترك بات يهز الوجدان العربي وينذر اننا قد نصحو على ان ما تبقى لنا مجرد عنوان كبير يذكرنا بأن الثورة مرت من هنا.
خبرات الانتقال السياسي من النظم الشمولية الى الديمقراطيات الوليدة من شرق اوروبا الى اندونسيا في شرق اسيا تقدم دروسا متكررة تفيد ان عملية الانتقال ليست سهلة ولا تقدَّم للشعوب ملفوفة بورق السوليفان، لكن المختلف في الساحات العربية يبدو اليوم في حجم التدخل الخارجي والاستعداد الداخلي لهذا التدخل، وتعدد المشاريع السياسية الوافدة، والتعبيرات المتزايدة عن مشروعات طائفية ومذهبية واثنية ضيقة، واموال بكل الالوان تتدفق، ولعل مثالا واحدا لحجم الاموال التي تدفقت بهدف الاستثمار الاعلامي في مصر خلال ستة أشهر والتي تجاوزت ما انفق للاستثمار في هذا القطاع خلال عقدين يوضح جانبا من هذه الصورة الغامضة والمقلقة.
من الواضح ارتباط حالة الطوارئ الديمقراطية الاقليمية والطوارئ السياسية الدولية بتطورات الاحداث الداخلية في كل بلدان الربيع العربي، هناك ثمة خوف من انتكاسة تلحق بالثورات الطازجة، وخوف آخر من حالة الطوارئ والاحكام العرفية في حالة مصر، بينما تُتهم قوى التغيير التي تقف على رأسها قيادات شبابية غير متبلورة بالاستعجال وضعف الافق السياسي، فبعد الانجازات التاريخية الحاسمة والتي توالت بسرعة دراماتيكية تتفق مع منطق الثورات، تعتقد قوى التغيير الجديدة بأن العملية السياسية يجب ان تسير بنفس السرعة والاتجاه والمنطق، ما يدفع رفاقا لهم ونخبا أخرى الى الخوف من ان يقود هذا المنطق الى ترسيخ سيناريو الانقلاب العسكري على الارض، فالمسألة كما يرى الفريق الآخر لا تتم بين ليلة وضحاها، وليست مجرد  انتقال يذهب الشباب من خلاله من ملعب الكرة الى ملعب السياسة، ويريد أن ينهي كل الحكاية السياسية التي تراكمت وشكلت طبقات عريضة على مدى ثلاثة عقود في ايام قليلة.
الخوف على الربيع العربي وعلى الثورات المشتعلة مشروع وله مبرراته، واحتمالات الانتكاسة هنا او هناك واردة، ولا يكفي التفاؤل التاريخي وحده لإغلاق الابواب في وجه الرياح المرتدة، والذين مايزالون متمسكين بميدان التحرير وباستعادة الثورة لديهم الحق بالخوف على منجزهم حتى لا يقال: مرت الثورة من هنا.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق