د.باسم الطويسي

تسييس المحافظات

تم نشره في الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

من المتوقع أن تعلن الحكومة قريباعن تفاصيل إنشاء صندوق تنمية المحافظات الذي أمر به الملك قبل أسابيع. يأتي هذا التطور وسط نقاش حاد يخلط بين المفاهيم والأطر السياسية والتنموية، والحقوق والموارد، وتشوبه بين وقت وآخر حالات استقطاب واستقواء متبادلة، بينما تشهد قضية الفجوة التنموية العميقة التي تعاني منها معظم محافظات البلاد عملية تسييس غير مبررة، وتخرجها من طابعها الحقوقي المحسوم وغير القابل للنقاش والذي يفترض من كل الفرقاء، وقد اتفقوا على عناوين الإصلاح الكبرى ومهما اختلفوا في التفاصيل، أن يلتفوا حولها.
إن السياق التاريخي والاجتماعي للحراك الشعبي في المحافظات واضح في أهدافه ومضمونه السياسي والاجتماعي، ولا يحتمل أي مزاودة أو تحميله ما لا يحتمل من هذا الطرف أو ذاك، ويكمن في جوهره العميق في الفجوة التنموية التي تم إثباتها منذ عقود بالدراسات والأرقام، ونراها كل يوم بالوقائع ولا تحتاج إلى فتاوى، إذ لاحظنا ذلك خلال الأشهر الماضية في تقارير وكتابات هنا وهناك، بعضها كتب للاستهلاك المحلي، وأخرى أعدت لجهات أجنبية في محاولات تغمز النظام السياسي مرة بأن يعيد ترتيب أرصدته الشعبية وخرائط الولاءات، ومرة في محاولة التشاطر وتفصيل منطق اقتصادي وتنموي له تعريفاته الخاصة للفقر والبطالة والجوع وفق مسطرة تزيد من الحرمان والتهميش وتضاعف من مشاعر النقمة، ومرة ثالثة بمحاولة شيطنة المحافظات سياسيا وتنمويا. ولعل برقيات السفارة الأميركية المسربة في حديثها عن واقع مدينة معان القلقة تثبت محاولة أحد وزراء الداخلية السابقين تبرير ما تعرضت له المدينة من إهمال وأعمال قمع بركوب منهج الشيطنة ذاته، بينما تؤكد تعليقات محرر البرقية أن معان تحولت بفعل التهميش إلى مجرد محطة شاحنات مغبرة ومهملة على أطراف الصحراء.
تثبت كل الوقائع أن أجيالا من الحكومات مارست إهمالا وتهميشا كادا في بعض المراحل يكونان ممنهجين لشؤون المحافظات. ولو قامت جهة محايدة بدراسة حجم الموارد التي فرغت المحافظات منها على مدى ثلاثة عقود واستهلكت على حساب أجيالها مقابل حجم ما أنفق، فسنجد أن المفارقة مذهلة.
أمام صندوق المحافظات تحديات هائلة في سد فجوة تنموية عميقة يعاني منها أكثر من نصف السكان ونحو 90% من مساحة البلاد. هذه الفجوة تتعمق إذا ما علمنا أن مجموع ما أنفق على الطرق والبنى التحتية داخل المحافظات خلال آخر عشر سنوات ربما لا يساوي ما أنفق على جسر عبدون، وأن استثمار الدولة في الخدمات الصحية في تسع محافظات خلال عقد لا يساوي توسعة مستشفى السرطان وحدها، وأن جامعات المحافظات التي أنشأتها حكومات لاعتبارات سياسية في لحظة ما مفلسة تماما، ومجموع إيراداتها أقل من أرباح واحدة من شركات التعليم أو موجودات صندوق الاستثمار في إحدى الجامعات، بينما يعاني قطاع التعليم العام في المحافظات من فجوة مقدرة زمنيا، وبأرقام الإحصاءات العامة، في نسب الأمية والالتحاق بعمر عشر سنوات عن المعدلات الوطنية؛ أي أن الأردنيين في معظم المحافظات يحتاجون عشر سنوات أخرى حتى يلحقوا بالمعدل الوطني في التعليم العام، إذا ما استمرت أرقام النمو كما هي في المحافظات مقابل ثباتها على المستوى الوطني.
يمكن أن يوفر صندوق تنمية المحافظات أرضية حقيقية وصلبة لانطلاق مسار جديد في التنمية المحلية في المحافظات، إذا ما أرسى أسسا جديدة في توليد الموارد المحلية والحفاظ عليها والإبداع في تنميتها، وإذا ما غلب المنظور التنموي–الاقتصادي على المنظور الاقتصادي وحده، أي الكفاءة والفعالية معا، وإذا ما ابتعد عن منطق الفرجة وإدارة التنمية بالعلاقات العامة والإعلام الرخيص والاسترضاء.
إن ملف المحافظات الأهم والأسخن، يحتاج إلى خطة طوارئ حقيقية وجريئة، وإلى فكر تنموي جديد. وكما تحولت الفجوات وتراكم الإهمال والتهميش ورداءة نوعية الحياة إلى مشاعر حادة ذات مضامين سياسية يعبر عنها الحراك الشعبي اليوم، فإننا لا ندري إلى أين سوف تذهب الأمور خلال شهور وسنوات مقبلة إذا ما أعيد تدوير الفشل من جديد، وأعدنا إنتاج الحلقة المفرغة نفسها.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحراك الشعبي في المحافظات (محمد المومني)

    الخميس 29 أيلول / سبتمبر 2011.
    ان للحراك الشعبي في المحافظات دور كبير في ابراز التهميش والاهمال الذي تتعرض له المحافظات البعيدة عن العاصمة وكلما زاد الشعور بذلك زادت النقمة من الشعب وانا مع الكاتب ال ندري الى اين ستذهب الامور خلال الايام القادمة
    لنتجنبها ونمتص غضب الشارع بان يكون هنالك جدوى حقيقية ذات اثر تنموي واضح على المحافظات من خلال انشاء هذا الصندوق لذلك يجب ان يديرة من يفهم بالتنمية في المحافظات وليس من يحتاج الى ان يتم تعريفة ما هي التنمية
    ودمتم ايتها الصحيفة الغراء وتحياتي للكاتب المتألق دائماً بافكاره وطروحاتة
  • »وطن لا نحمية لا نستحق الحياة فية (احمد علي)

    الخميس 29 أيلول / سبتمبر 2011.
    مقال رائع وين امثالك اللي يكتبوا بكل مصداقية وانا متاكد لو فية غيرك كثير في الصحافة وقلمة حر لكان الوضع افضل بكثير ما بدنا حدا يطبل ويزمر على حساب المحافظات الطرفية ويدعي المعرفة ولا يمتلكها
  • »البحث عن التغيير (واضح وصريح)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    اولاً وبكل صراحة مقال رائع نشكر الكاتب والصحيفة الجميلة الغد
    اذا لم تستطع الدولة ان تلتفت بكل جدية الى كل ما يحصل في المحافظات فان التغيير قادم سواء من الدولة او من الشعب ونريد ان يحصل التغيير قبل ان ان يتفاقم الوضع لان الشعب هذه المرة لن يسكت ولن نسمح لاحد ان يكمم افواهنا
  • »معان ممر الشاحنات (احد شباب معان)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    لم تكن يوماً معان سوى حرة ابية واهلها للكرم عنوان وليس ممر شاحنات ومغبرة
    اشكرك استاذ باسم على هذه المقالة ونحن نعلم كم تمتلك من المعرفة والعلم عن اوضاع التنمية في محافظة معان لا وبل عن التهميش الذي لحق بهذه المحافظة الجنوبية
    وكم نتمنى ان ياتي الى المحافظة من هم امثالك لربما تنصلح الاحوال وانا على تمام العلم بما قدمت من مشاريع تنموية من خلال الجامعة موجهة للمجتمع المحلي
    اشكرك وانت لا تنتظر ذلك وفقك الله
  • »مهم وخطير المقال (محمود)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    اشكر الكاتب على هذا الطرح القوي والعلمي كما اشكر الغد على هذه النوعية من الكتاب التي تحتضنهم
    اما المقال فانه يحاكي واقع الحال والذي يلمسه كل الاردنيين الشرفاء ونقول انه على الدولة ان تغير من نهجها وسياستها في التعامل مع المحافظات الاردنية البائسة والمهمشة والبعيدة عن العاصمة وصنع القرار حيث ان كل المكتسبات والثروات تضخ فيها ومحافظات الاطراف والجنوب لا يصلها شيئ مع العلم بان اغلب ثروات الاردن هي موجودة في محافظات الجنوب.
  • »تهميش الاطراف (من الجنوب)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    الاخ العزيز كاتب المقال اثمن واقدر كل كتاباتك المهمة عن الاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الاردن وفي كل مرة تثير موضوع مهم واريد ان اؤيدك بكل ما تقول واذا بقي الوضع كما هو ستتعمق الفجوة وتزداد سوءاً وكل حكومة قادمة ستتفادى النظر بالموضوع لان الوضع سئ ومن الصعب اصلاحة الا بالالتفات الى ما يحصل بالمحافظات والتفكير بشكل استراتيجي لتقديم حلول قابلة للتطبيق
  • »التجاهل (ابو عجرم)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    لقد بلغ الفساد السياسي والاقتصادي مبلغه وتجاوز كل الحدود خلال الفترة الأخيرة والتي شهدت سيطرة أصحاب النفوذ الاقتصادي على مراكز القرار السياسي من خلال تبوئهم المناصب الحساسة في الدولة الأردنية, وان استمرار هذا الوضع الخطير سيضر بجميع الأردنيين , خصوصا" في ظل اتخاذ سياسة توريث المنصب والتي تسمح لفئة معينة بتولي مناصب الدولة دون غيرهم تلك الفئة التي باتت تعتقد بأنها تحمل جينات وراثية تختلف عن الجينات التي يحملها بقية الشعب الأردني، وفي هذا المجال لا يسعنا إلا أن نستنكر بقوة عملية التجاهل السياسي الممنهج من قبل الحكومات المتعاقبة ضد المحافظات. معلنين وبصوت واحد كأبناء لهذا الوطن عن انتهاء زمن الصمت فيما يخص ذلك التجاهل المستمر طامحين إلى المساواة في الحقوق والواجبات .
  • »الى متى نتأخر عن المواكبة ..... (محمد عبد الهادي الجازي)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    في البداية اريد ان اشكر الدكتور ابا الحارث الدكتور باسم الطويسي على ما يبديه لنا وهذا ليس بجديد علينا ولا على ما يمثله من قطاع هام ومهم في وطننا من الاعلام الحقيقي والذي نحن بحاجه له الان في امس الحاجة للنستطيع معالجة كافة المواضيع التي ستؤدي للحفاظ على ما نسعى اليه دون حدوث ما لا يحمد عقباه .
    الدكتور ابا الحارث ان ما سميته تسيس المحافظات كان رائع وما احتواه هذا المقال المعنون رائع فقد ( كفيت ووفيت ) كما نقولها بلهجتنا ففي قلوبنا وعقولنا الكثير من الكلام ولكن ما قدمته كان موجز عما بداخلنا .
    نحن ابناء المحافظات وخصوصا محافظة معان اللتي تمثل اكبرمساحة من مساحة الاردن واللتي تمثل تنوع جغرافي وديموغرافي وتتمع بتوفر المصادر الطبيعة الاولى في اقتصاد الاردن والدور الفاعل لهذه المنطقة وابنائها على صعيد التاريخ الاردني دون استثناء .
    الا نستحق هذه المحافظات وخصوصا هذه المحافظة ( معان ) تفعيل الجوانب المختصة في التنمية البشرية قبل التنموية فحاجاتنا كثيرة واصلاحنا كبير وما جاء في هذه المقالة يحمله كل ابناء المحافظات من مدنها وحضرها وقراها وبواديها .
    لاننا نريد اصلاحا يمكننا مواكبة المستقبل لا اصلاح كلام على ورق .
    شكرا دكتور باسم الطويسي
    لانك تنقل صورة الاعلام على صورته الطبيعة لا على صورة الغير سواء مؤيد او معارض بل لانك ابن هذا الوطن ونتمنى من كل اخواننا الاعلاميين ان تكون خدمة الوطن والوقوف على امنه وسلامة البلد وتطوره هي الغاية الرئيسية .
    وشكرا
  • »رئيس الوزراء (رائد)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    هذه الحكومة المتمثلة برئيس الوزراء مطالبة بأن تنصف الجنوب بجميع محافظاته وأن تكون عادلة لا نريد أن يتشتت الشعب بسبب حكومات متعاقبة لا تستطيع أن تقدر الموقف وتستوعبه بالشكل المطلوب، وما يحدث الآن في الكرك والطفيلة ومعان والعقبة هو رد فعل طبيعي لبطئ الحكومة باتخاذ الإجراءات المناسبة، حكومة البخيت عليها العمل وإلا فان الجنوب لن يسكت على المماطلة في مطالبه أبداً، الموقف الآن بيد البخيت حتى يكون على قدر المسؤولية وأن يثبت جدارته ويمسح كل ما رافق حكومته من تجاوزات فوظيفة رئيس الوزراء هي الولاية العامة ونحن بحاجة لرجال تحكم وتعمل وتنجز وليس لرجال تجلس دون عمل ودون تحمل العواقب.
  • »الفجوة التنموية (waled)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    في السنوات القليلة الماضية ظهر واضحا الادراك في الخطاب الرسمي لحجم الفجوة التنموية التي تحياها المحافظات، والتي تبدو في تواضع نوعية الحياة وتدني مؤشرات التنمية الانسانية مقارنة مع حجم اسهام هذه المحافظات في التنمية الوطنية، اي مفارقة الوفرة والندرة
  • »التنمية (يمان)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    التخطيط السليم والمدروس هو الأساس في نجاح صندوق تنمية المحافظات ولتحقيق ذلك يتوجب الرجوع الى نتائج دراسات دائرة الاحصاءات العامة والتي اظهرت واقع المحافظات التنموية والفوارق الكبيرة بينها في هذا المجال كما ان لدى وزارة التخطيط دراسات حول المحافظات الاكثر فقرا ومناطق جيوب الفقر في كافة مناطق المملكة.
  • »اليسياسة والحقوق (علي سعودي)

    الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011.
    شكرا للكاتب على هذا الوصف الواضح والجرئ ، اريد ان اضيف على ما تقدم ان الحراك الشعبي في المحافظات ليس موجه لاحد ، ولا توجد له في الاصل اجندات سياسية مثل اجندات الصراع بين صالونات عمان ، لكن والله اعلم يبدو مؤخرا ان القوى المتصارعة في عمان تحاول ان تركب الموجة ، لكن ستجد الفشل امامها ، لأن ابناء المحافظات تعلبوا من توظيفهم على مدى عقود مجرد وقود وحطب لصراعات عمان ، المسالة حقوقية كما قال الكاتب ،واهل المحافظات غير معنيين وحتى لا يهتمون بمناقشات الصالونات السياسية في عمان