الرئيس والبنك المركزي والليبرالية الاقتصادية

تم نشره في الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

استوقفتني إشارة رئيس الوزراء معروف البخيت، في معرض تفسيره لإقالة الشريف فارس شرف من منصب محافظا للبنك المركزي، بأنه ليبرالي. تذكرت أستاذاً لي كان يدرسني مادتي الإحصاء واقتصاد كارل ماركس في الجامعة بالولايات المتحدة.
كارل ماركس يستخدم عبارة الدياليكتيكية كثيراً. وشرح أستاذي متسائلاً "هل تعتقد أن الدائرة مفهوم دياليكتيكي أم مفهوم محدد ولا يحتمل إلا معنى واحداً". قلت لا أدري. فقال الأستاذ جورسكيو-رويجين، إذا قلت لألف طالب أن يرسموا دائرة مساحتها عشرة إنشات مربعة، فكم دائرة مختلفة أحصل عليها؟ فقلت ضاحكاًً: سيرسمون كلهم نفس الدائرة. فأخفض رأسه موافقاً، وقال إذن فالدائرة مفهوم محدد وتعبير محدد.
ومضى أستاذي قائلاً: ولكن إذا قلت لهم ارسموا مستطيلاً مساحته عشرة إنشات مربعة، فكم مستطيلاً يمكن أن أحصل عليه من الألف طالب؟ فقلت: قد تحصل على ألف مستطيل. قال: صحيح، ولكن كلها تكون مستطيلات وإن اختلفت في الطول والعرض، إذن فالمستطيل هو مفهوم دياليكتيكي.
والليبرالية قد تتفاوت في تعريفها بين شخص وآخر، ولكن تبقى لها سمات يجب أن تتمتع بها وإلا فقدت معناها مثل القول بأن المستطيل يختلف طوله عن عرضه، وزواياه كلها قائمة، ويتساوى فيه كل ضلعين متقابلين، ولكن إذا قلت أن الزاوية غير قائمة، فإن الشكل سيتحول من مستطيل إلى شبه منحرف..
الليبرالية تعني انفتاح الذهن، وقبول التغيير، وتعني الإيمان بضرورة تقليص دور الحكومة الى الوظائف التي خلقت الحكومات من أجلها، وكذلك لا بد من إطلاق الحريات الى الحد الأقصى المسموح به، وتعني وضع حدود على سلوكيات المسؤولين حتى لا يقعوا في الشطط وتجري مساءلتهم عندما يُخْطئون.
لماذا لم يقم رئيس الوزراء بالجلوس الى الشريف فارس شرف قبل تعيينه محافظاً للبنك المركزي؟ لماذا لم يقل لنا رئيس الوزراء أن من جملة المعايير التي يتبعها في التعيينات هي غياب الليبرالية، إذن فرئيس الوزراء يجب أن يعترف معنا أن أسلوبه خاطئٌ أو أنه لا يتبع مقاييس ومعايير واضحة في التعيين.
وأما النقطة الأخرى، ونحن نتحدث عن تعديلات دستورية وضَّحَها رئيس الوزراء أكثر من مرة بأنها جذرية ومهمة، وتعيد التوازن بين السلطات، وتحدث عن إصلاحات سياسية تحفظ التوازن بين المؤسسات داخل نفس السلطة، فأين ذهب هذا كله وهو يعامل البنك المركزي بهذا التدخل الواضح، علماً أن البنك المركزي له استقلاليته في إدارة السياسة النقدية.
ولم تأت هذه الاستقلالية من فراغ، بل من تجارب دول كثيرة سبقتنا في هذا المضمار، وتأكدت صحتها عبر عقود طويلة من التجربة. وحتى في الأردن، فإن التاريخ يؤكد أن قوة البنك وقوة مُحافِظهِ في الحفاظ على استقلاليته حالت دون وقوعنا في مشاكل كثيرة. ولكن عندما تدخلت الحكومة مباشرة في سياساته تراجع الدينار، وعانى الاقتصاد الأمرين. وهل ننسى عام 1989.
إذا كان بإمكان الحكومة التي عينت المحافظ أن تقيله من منصبه بهذا الأسلوب الذي لا يعكس قدراً عالياً من الاحترام لهذه المؤسسة العتيدة التي أفتخر بأنني من أوائل العاملين فيها، وأعترف لها بالفضل الكبير، فكيف سنضمن استقلاليتها واستقلالية سياساتها بعد ذلك؟!
 وأخيراً، ما قول دولة الرئيس في الإصلاحات السياسية التي يتباهى بأن حكومته ضالعةٌ فيها، الا تعكس درجة عالية من الليبرالية! أم أن الليبرالية معطف واقٍ من المطر لا نلبسه إلا عندما تمطر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اليبرالية وحماية البنك المركزى من الاغراق فى الفردية (محمود الحيارى)

    الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2011.
    هذا ماقالة دولة الرئيس اخى المحترم معالى العنانى جواد، الليبرالية وعدم اغراق البنك المركزى فى الفردية.والسؤال هو هل المطلوب حماية الليبرالية والفردية كى نحافظ على مؤسستنا الوطنية ؟بنك البنوك .أذكرك بقول رب العزة بان( لاتزكى على اللة أحدا).نشكر الغد الغراء للسماح لنا بالتواصلعبر فضائها الحر.
  • »ليبرالي وبس لا يكفي (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2011.
    كان بودي ان يقول دولة البخيت يأن الشريف أبن الشريف والشريفه أمه ليبرالي للاسباب التالية ..أما أن يقول ليبرالي وبس فهذا يعني أن مفهوم الليبرالية غير واضحه في ذهنه
  • »لوجي (طالب)

    الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2011.
    البخيت ليس شيوعيا ولا إسلاميا ولا قوميا وها نحن نكتشف انه ليس ليبراليا.