السؤال الكبير

تم نشره في الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

ما الذي يحصل لأمة ما ينقلب وضعها من حال متدهور الى حال كله هِمة ونشاط وإنتاج بعد أن كانت مفلسة هامدة، فإذا بالروح تدب في أوصالها، ويزداد ضخ "الأدرنالين" في عروقها وشرايينها، فإذا هي كلها همة وفاعلية وإيجابية، وعزم وإرادة على قهر الصعب، ومغالبة الدنيا؟
في عام 1980، كُلِفتُ بالسفر الى تركيا من أجل استرداد مبلغ عشرة ملايين دولار كانت ديناً لشركة الفوسفات على الحكومة التركية، وقد عانت أيامها تركيا من كل الشرور الاقتصادية والاجتماعية التي نعرفها، بطالة وفقر، وارتفاع في الأسعار، وعجز في الموازنة، وشح في العملات الأجنبية، وقيود على الاستيراد، وتراجع في سعر الليرة، وفوق هذا وذاك، كانت هنالك حرب أهلية دامية بين الحزب الإسلامي الذي يقوده نور الدين أربكان والحكومة بقيادة سليمان ديميريل.
وأثناء وقوفي في مطار اسطنبول، تقدم مني شخص عريض المنكبين كَثُّ الحاجبين، وقال إنه يعمل مساعداً لمدير التخطيط. وكتب اسمه لي على دفتر الكبريت (المشط) حتى لا أنساه. ولما قابلت رئيس الوزراء قلت له لقد قابلت شخصاً متميزاً في مطار اسطنبول اسمه .. اسمه .. ونظرت الى مشط الكبريت وقرأت "تورجوت أوزال" .. فقال لي السيد ديميريل.. نعم  أتذكره . يقولون عنه شاب متميز.
وفي العام 1982 زرت تركيا كوزير للعمل بمعية سمو الأمير الحسن. وكان السيد "أوزال" قد أصبح نائباً لرئيس الوزراء بعدما قام الجيش التركي بالاستيلاء على السُّلطة، وأصبح كنعان ايفرين رئيساً للجمهورية.
والتقيت مع سمو الأمير الحسن بالسيد أوزال والذي خاطبنا قائلاً: المشكلة أننا في تركيا نملك الإمكانات لنصبح دولة منتجة ومنافسة، ولكننا مستغرقون بحل قضايا لن تساعدنا على ذلك، فنحن لا نستطيع أن نبني اقتصاداً منتجاً إلا إذا ابقينا الأجور منخفضة، ورضينا بالبطالة. فقلت له: وماذا عن العمال؟ فقال: إنهم يعانون الآن، ونحن نبني مَعَهم وَلَهُمْ ولأبنائهم مستقبلاً أفضل.
ولم ترق هذه السياسة المتحدية والجريئة للقيادة العسكرية، فعزلوا الرجل، ولما سُمح للأحزاب بالتشكل قام "أوزال" بتشكيل حزبه الذي اكتسح الانتخابات. وعاد في العام 1984، ليصبح رئيساً للوزراء.
في ذلك العام، مَثّلتُ الأردن كوزير للصناعة والتجارة في لجنة التجارة والتنمية التي يترأسها الرئيس التركي في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي. وصرت المقرر العام للجنة بفضل جهود الوفد الأردني المرافق، ولما كان الرئيس التركي علمانياً، فقد فوض ادارة اعمال المؤتمر لرئيس الوزراء السيد "تورجوت أوزال" وجلست الى جانبه. وحدثني عن طموحاته ببناء القاعدة الانتاجية في تركيا.
وبعدما تخلى العسكر عن السلطة، قابلت السيد أوزال كرئيس للجمهورية وكنت أيامها رئيساً للجمعية العلمية الملكية. وقال لي انذاك: سوف أعرفك على رجل تركيا القادم إنه رئيس بلدية اسطنبول المبدع واسمه رجب طيب أردوغان.
وها هي تركيا الآن دولة اقتصادية منتجة. ويأتي ترتيبها السابع عشر بين اقتصادات العالم. وصارت من كبار اللاعبين في المنطقة.
لقد عادت إليها الروح، لقد تبنت استراتيجية تقوم على رضا الناس وقبولهم بالصبر على الأوضاع واحتمال التضحيات حتى يتحقق المراد. لقد رضوا بالتضحية في المدى القصير بشرط أن تعود عليهم المنافع في المدى المتوسط والطويل.
ولقد صدق قادة تركيا وعدهم. وها هي تركيا تحقق واحداً من أعلى معدلات النمو في العالم. وإذا كانت الصدفة والحظ قد خدما تركيا في روسيا وآسيا الوسطى وشرق أوروبا والعراق والوطن العربي، فإن الحظ، كما قيل، يأتي لمن يستحقونه.

jawad.anani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سواليف (باسل)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    قصة لطيفة ولكنها غير مبنية على أية وقائع علمية. يعلم الكاتب وهو اقتصادي مخضرم أن مصر سارت في نفس خطى تركيا وفي نفس الوقت تقريبا (بداية التسعينات) ونما اقتصادها بشكل غير مسبوق بل وحصلت على لقب أفضل دولة في مجال الإصلاح الاقتصادي عام 2007 من صندوق النقد والكل يعلم ما آلت إليه الأمور هناك فأين التحليل العلمي؟ كما قلت فقصة الدكتور عناني قصة لطيفة ولكنها ليست علمية بل وليست دقيقة أيضاً. للعلم تورجوت أوزال توفي عام 1993 بينما أصبح اردوغان رئيساً لبلدية اسطنبول عام 1994!
  • »22 سنة! (احمد حسن)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    الكاتب المحترم لقد تحمل الشعب الاردني طوال 22 سنة من شد الاحزمة وارتفاع معدلات الضرائب( يقال ان الاردني يدفع ثلثا دخله ضرائب ) ولكن بدون اي نتيجة تذكر المديونية تزيد بسبب الفساد المستشري باجهزة الدولة،نحن دولة غنية جدا بما يدفعه ابنائها من ضرائب ولكن عندما تكون بها فساد بمؤسسة كيف يمكن ان نقضي على المديومنية نانت رجل دولة وتعرف الامتيازات التي كنتم تنعمون بها من سفرات وبدلات وسيارات فمة على حساب الشعب المسكين!
  • »Being useless (رجائي هلســــــه)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    There is nothing so useless as doing efficiently that which should not be "done at all
  • »مثال رائع (م. خالد القاقا - دبي)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    فعلا مثال صحيح وليتنا نتعلم من هذه التجربة فعشرون سنة في عمر الشعوب لا تحسب ... لكن الأساس هو فتح المجال امام القادرين من ابناء البلد للبناء والتخطيط ، وبلدنا مليء برجال قادرين على ادهاش العالم ، مع الأسف نرى ابداعاتهم وانجازاتهم في كل العالم ولا نراها بالأردن ... ولا أقول هنا إلا انني لا ازال آمل بمستقبل افضل ...
  • »الاعتماد على الذات مفتاح الفرج (محمود الحيارى)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    الصبر والاعتماد على الذات هما مفتاح الفرج اخى معالى الدكتور العنانى جواد،وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا للة وانا الية راجعون،صدق اللة العظيم.نشكر العنانى جواد على مقالتة القيمة والشكر موصول للغد الغراء للسماح لنا بالتواصل عبر فضائها الحر مع كتابها المبدعين.
  • »الحظ والعمل (دكتور صلاح الدين محمد ابوالرب)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    سيدي الفاضل
    السرد التاريخي المميز الذي قدمته هنا اوصلنا الى رجب طيب اردوغان ، وال حقيقة ان الحظ قد يقف امام الكثيرين ولكن المبدع والبارع هو الذي يستغل اللحظة ويقدم فيها ما يخدم وطنه وامته وهنا تكون لحظات ظهور الزعماء
    زاعتقد ان التجربة التركية كانت نتاج فكر ودراسة وتخطيط لمن يحب وطنه ختى وصلوا لما هم عليه
    السؤال الذي اقرأه بين السطور ..اين نحن ..؟ وهل لدينا تخطيط للمستقبل يرقى لتكوين الغد الذي نريد..ظ الشىء المؤكد ان لدينا طاقات كبيرة كلها تنتظر الفرصة والتوفيق من الله
  • »رائع بشرط!!! (زيدان الدبوبي)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    (رضا الناس وقبولهم بالصبر على الأوضاع واحتمال التضحيات حتى يتحقق المراد) هذه العباره ممتازه لو انها تطبق على ذوي الدخول المرتفعه لان ذوي الدخول المتوسطه والمتدنيه صبروا حتى مل الصبر منهم ثم لو تترافق هذه العباره مع محاربه جاده وحقيقه للفساد والمحسوبيه والشلليه وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب في القطاعين العام والخاص وتفعيل الرقابه على القطاع الخاص (الشركات المساهمه العامه) فانه من الممكن تحقيق المراد اما ما عدا ذلك فان المسير ربما يكون الى الوراء لا قدر الله.