نضال منصور

ويكيليكس وأعواد المشانق

تم نشره في الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

قامت الدنيا ولم تقعد على لقاءات شخصيات عامة بالسفراء الأميركيين، وكأننا نكتشف ولأول مرة أن الأميركيين أكثر تأثيرا في مشهدنا الوطني من كثير من رؤساء الوزراء وفريقهم. واستهجنت الصالونات السياسية برقيات السفراء الأميركيين حول تفاصيل قضايانا المحلية، وكأنهم موجودون في بلادنا للتسلية وأكل "الترمس والبزر". وشنت هجمة شعواء على كلام شخصيات عامة للسفراء الأميركيين، وكأن ما يقال يسمع لأول مرة ولا يجتر مئات المرات.
كل الدبلوماسيين الأجانب، وحتى العرب، يلتقون بالشخصيات العامة والإعلاميين ويسألونهم ويستمعون لهم. وهذا هو دورهم، عدا عن تمثيل بلادهم، سواء رضينا أم أبينا. وما يفعله الدبلوماسيون في الأردن من المتوقع أن يفعله دبلوماسيونا الذين يعملون في بقاع العالم.
ما يستفزني شخصيا أن يقول بعض المسؤولين في الغرف المغلقة مع السفير الأميركي عكس ما يقولونه في العلن، أي أن يكون لديهم خطابان، أما أن تكون وجهات نظرهم واحدة فهذا لا يثير الغضب ولا يستدعي كل هذه الحملة.
وقد سألني أحد المسؤولين عن برقيات ويكيليكس وتأثيرها على النسيج الوطني، فقلت هي تصنع فعلها عند "المتعصبين" أصلا الذين يبحثون عن ذرائع لإثبات نظرياتهم التآمرية.
برقيات ويكيليكس ليست مقدسة لا يقربها الباطل حتى نحاكم الناس على أساسها، ونصدر أحكاما باغتيالهم لأنهم ارتكبوا خطيئة لا تغتفر؛ فهذه البرقيات في الغالب مجتزأة من سياق طويل، وكل من يلتقي السفراء، سواء في لقاءات ثنائية أو جماعية، يعلم أن الحوار يمتد ويناقش تداعيات كثيرة، وبعضها لا يروق للسفراء، وخاصة الانتقادات القاسية لسياسات بلدانهم، وفي نهاية المطاف يختار السفير ما يريد ليبرق به، ويركز على القضية التي يعتقد أنها إشكالية ومن الضروري اطلاع قادة بلاده عليها.
لو سألني السفير الأميركي أو سفير أوروبي عن وجهة نظري في الحريات الصحفية في الأردن، لقلت له ما أكتبه وأعلنه ليلا ونهارا، وملخصه أن وضعنا ليس "قمرة وربيع". وما أفعله ليس تجسسا وعمالة، وليس استقواء على بلدي عند الغرب، بل ممارسة لحرية التعبير التي تكفل في الدول الديمقراطية، وإلا نتحول لدولة ديكتاتورية فاشية تعلق فيها أعواد المشانق لمن يقولون رأيا مخالفا.
لا تقلقني ترجمة برقيات ويكيليكس من السفارة الأميركية في عمان، ولا حتى الجدل المتنامي حول الهوية الوطنية، ويستوقفني فقط من يصنفون الناس ويصدرون صكوك الغفران، ويعتبرون أنفسهم مواطنين كاملي الدسم والآخرين من دون دسم.

التعليق