حنان كامل الشيخ

وسط إجراءات أمنية مشددة

تم نشره في الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

أفقدها عقلها "أكثم" هذا! إنها تتمنى أن تطرف بعينيها فتجد نفسها قد عادت الى البيت وانتهت من تحضير الغداء لبقية الصغار. كانوا يمنّون أنفسهم بمقلوبة بطاطا هذه الجمعة، لكن أكثم وعناد رأس أكثم سيحرمانهم بالتأكيد منها، بعد أن قضى أسبوعا كاملا في زاوية الغرفة يبكي بشكل متواصل، حتى تشتري له أمه "بوط أديداس"، يرتديه في المدرسة مثله مثل باقي أصحابه.
في الصباح سحبته من بين إخوته النائمين فوق بعضهم بعضا، على المرتبة نفسها، مسحت وجهه بقليل من الماء، وقالت له: "يا الله، قبل ما تبدا صلاة الجمعة وما نعرفش نرجع".
كانت وجهتها سوق البالة في وسط البلد، فالخمسة دنانير "الزائدة" على مصروف البيت، لا يمكن أن تحقق حلمه الأناني، إلا في أحد تلك المحلات التي خبرتها جيدا، وتظن بإحساسها أنها لن تكفي لشراء النوع الذي يريده.
علي.. قصة أخرى! نجح هذا العام في التوجيهي بمعدل 93 % علمي، رغم كل الظروف المحبطة التي تدفع بالشباب في قريته الصغيرة، إلى ترك الدراسة بعد الصف السادس الابتدائي مباشرة. كان لا يتخيل نفسه عاملا في إحدى مزارع الكبار، يعيد تاريخا طويلا عريضا؛ لأبيه وجده ومن بعدهما عمومته وأبناؤهم وبعض من اخوته أيضا. فبالتي هي أحسن، قاوم وداوم وجرجر نفسه حتى وصل الى الثانوية العامة، وتفوق بشكل لا يصدقه عقل من زار بيته مباركا. فالبيت لا يعدو عن كونه غرفة ونصف الغرفة، الكهرباء عزيزة عليه، والماء يصل بشق الأنفس مرة كل شهر، والبساطة القصرية طالت كل موجوداته، من العتبة الى حديث والده عن عدم جدوى "القراية"!
هذا الصباح سيبدأ دوامه الرسمي في مطعم القدس، كأمين مستودع، بعد أن لفظت قائمة التنسيق الموحد، حلمه بدراسة هندسة البرمجيات، واختارت له دراسة الحقوق! لهذا سيعمل هذا العام، حتى يوفر تكاليف دراسته في جامعة خاصة العام المقبل.. "وبعدها يحلها ألف حلال".
بثينة حكايتها قصيرة جدا، ستنزل هذا اليوم قبل صلاة الظهر بربع ساعة الى وسط البلد، وترمي بالـ"حجاب"، وتعود مسرعة تعد سبعة أيام طويلة، تستقبل بعدها العرسان واحدا تلو الآخر! المسكينة لا تعرف أن الشباب لا يعزفون عن الزواج بها شخصيا، بل عن الزواج جملة وتفصيلا!
مر الوقت سريعا على مرتادي وسط البلد في تلك الجمعة، ولم يعوا أنفسهم إلا وهم وسط جموع من المتظاهرين، يهتفون مطالبين بالإصلاح والحريات ومحاربة الفساد. لم يسمع أي منهم عويل أكثم الذي لم يعد بخفي حنين حتى؛ لأن أمه التي انهارت أمام بائع البالة لم تفهم كيف يكون سعر حذاء مستعمل ومهترئ خمسة عشر دينارا كاملة. كانت تهتف بدون أن يسمعها أحد: الشعب يريد حذاء للفقير!
وبالمثل كان علي الذي وجد جسده محشورا فجأة بين عشرات الشباب يهتفون: لا للمحسوبيات، لا للواسطات، بينما كان صوته يرتجف وحيدا وهو يقول: الشعب يريد كلية لأولاد الشعب!
أما بثينة فقد شوهدت وهي تقود إحدى المظاهرات، ومن خلفها عشرات الشباب يرددون: الشعب يريد عشقا في الحلال!

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس غريبا على حنان (فيصل القطامين)

    الأربعاء 21 أيلول / سبتمبر 2011.
    ليس غريبا على الزميلة حنان أن تجسد واقع وهموم الناس بهذه الصورة السهلة الممتنعة ، فقصصها هي قصة كل واحد فينا وقصة قريتنا ومدينتا وباديتنا وهي حكاية الوجع المتأصل في قلوبنا كلنا يريد بثه ولكننا لا نستيطع حيث تخوننا الكلمات لتجيء حنان وتلملم تلك الكلمات من هواجسنا وتنسجها سجادة لا أجمل منها وكان كل واحد فينا يقول في نفسه هذا ما كنت أود قوله
  • »NICE (MOHAMMAD)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    GREAT ARTICLE
  • »الاسلوب القصصي الرائع (محمد منير)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    الاستاذة حنان
    لا أصدق أنك وحتى الآن لم تشرعي بكتابة الرواية أو حتى القصص القصيرة... أنا متأكد أنك ستبدعين في ذلك إن لم تكوني بدأت بالفعل... فتشت بالنت على اعمال أدبية لك ولم أجد سوى للاديبة حنان الشيخ التي طبعا نحترمها ونقدر ابداعها... أتمنى أن اقرأ لك بالقريب اعمالا أدبية...فصدقيني أن قراءك يستحقون منك ذلك، وأنا بالطبع أحدهم.
  • »فسادفساد فساد (دكتور)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    يا جماعة و الله حرااااااااااااام اللي بيصير في البلد الفساااااااد ذبحنا ذبح شو بالنسبة لتسريب امتحانات البورد الاردني للطب ؟؟؟اي هي وصلت لهوووون ؟؟؟؟؟
  • »ارجو الاجابة (هويدا)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    أحب أن اسألك سؤال ... إذا كان الشعب لا يجد علاجا و يعاني من التهميش , و لا يجد قوت يومه الخ.. فكيف يمكن أن يطالب بالمطالبات السياسية الكبيرة ؟أرجو الإجابه
  • »الرائعه (محمد قاسم)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    دائما انت رائعه يا حنان وياريت وماتغيبي كثير عنا في الكتابه
  • »مقال رائع للكاتبة حنان الشيخ (مثقال البريحي)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    أشاطر الكاتبة الرأي ورغم اني لم اعرف بعد الى اي مستوى ارتفع سقف المطالب الا اني اعتقد ان تجاوز الخطوط الحمراء في المطالب يتأتى من التجاهل والمماطله والتسويف الذي تنتهجه الحكومه حتى اللحظه في اتخاذ خطوات عاجله سريعه وجريئه في محاربة الفساد والفاسدين وتحقيق الحد الادنى من مطالب الناس في حياه حره يسودها العدل والمساواه في الحقوق بعيد عن الشلليه والمحسوبيه البغيضه التي تتعدى على حقوق الناس وتظلمهم في كثير من جوانب حياتهم .
  • »المقالة الاجمل (بسام الياسين)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    ان اسلوب سردك القصصي يخلب اللُب،ويشد القارىء حتى نقطة النهاية.ببراعة القاص المتمكن من ادواته،والكاتب البارع باختيار الفاظة استطعت نسج مقالة مؤثرة وجميلة،اضاءت تفاصيل الواقع اليومي المعاش بجمالية اخاذة،وتصوير الواقع الاردني لطبقة تناضل ببسالة للحفاظ على توازنها اليومي...هذه المقالة الرائعةبحق افضل من كل الثرثرة التي طالعناها على مدار اسبوع من حذلقات المسيسين ...دوام الابداع ومزيد من التألق .
  • »رأي سديد في الوقت الصحيح (المحامي نايف البرايسة)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    للأسف فمن يقوم بالتظاهرات يا أخت حنان ليسوا من شاكلة أم أكثم و لا علي و لا بثينة حتى الذين يقومون بالتظاهراتي يوم الجمعة لا يحملن شعاراتهم . انهم يطالبون بتحقيق حقوق سياسية تسعى اليا بعض قوى المعارضة . و لو أنهم تركوا هذه الشعارات جانبا و حملوا على عاتقهم قضايا الفقر و الجوع و الدراسة و العنوسة و الصحة لالتف حولهم آلاف المؤيدين . لكن ماذا يتوقعون من فقير معدم الحال و هو يراهم يحاصرون السفارة الاسرائيلية ؟ ألن يسأل نفسه و هو المتعب الفقير أهاذا وقته الآن ؟؟
    المحامي نايف البرايسة و شكرا
  • »العشق الحلال (فاخر دعاس)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    الشعب يريد عشقا في الحلال ...
    اختصرت كل المشهد بكلمتين يا حنان
  • »الحركة بركة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    ثلاث شخصيات من مجتمع لا هو حضاري مئة في المئة ولا هو عشائري مئة في المئة .فهذه المعادلة تجعله دوما مهزوزا لا يستقر على رأي يرضي الطرفين .والشخصيات الثلاث التي ذكرتها اديبتنا الشابة تشرح الشيء الكثير عن مجتمعنا ..فالمهم بقصصها الأجتماعية وجدت أن الفقر مفروض على مجتمعنا لآن حكوماتنا قد نهبت مدخرات هذا البلد ، والذي دفع الثمن الباهظ هم ذو المدخول المتدني .ولكن وطنية اديبتنا في أخر مقالها جعلنا أن نفتخر يالشخصيات الثلاث لآنهم وجدوا أن حرياتهم المكبوته تحتاج الى حركة والحركة بركة ..والخروج في المسيرات هو مجان للجميع تلتقي في ساحاته كل طبقات الشعب
  • »هذه مطالبنا (فؤاد)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    صباح الخير على كلماتك الطاهرات
  • »آخ يا بلدنا (Imad AbuNimeh)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    ليس خطأ ان نحلمي يا حنان مع هذا الشعب الكادح
  • »رائعه (Emad manasrh)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011.
    رائعه فعلا .. مقال جميل جدا جدا