د.باسم الطويسي

الجماهير والدولة والفيتو

تم نشره في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2011. 06:39 مـساءً

لم تبق إلا أيام معدودة على ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة لإعلان قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، بعد فشل عملية السلام واستمرار الاستيطان في أقدم صراع في العالم وأطول مفاوضات تسوية يشهدها التاريخ الحديث، وسط حالة من الترقب والتشاؤم وانتظار المفاجآت.
السؤال المطروح في ربع الساعة الأخيرة: هل ثمة مفاجآت منتظرة، من قبيل تراجع فلسطيني وسط الضغوط المتصاعدة التي تخشى من خسائر سياسية نتيجة الموقف الأميركي المتوقع باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد الطلب الفلسطيني، أو موقف أميركي أكثر مرونة قد يصل في أكثر الحالات تفاؤلا إلى عدم التصويت على القرار، أو الاستمرار في الاتجاه الراهن والذهاب إلى الدورة السادسة والستين للأمم المتحدة وحصول المتوقع والانكسار أمام "فيتو" أميركي جديد؟
الجديد الوحيد في دورة حياة التصعيد السياسي التي طالما مرت بنفس حالة الدوران والانكسار، هو موقف الجماهير العربية في ضوء ثورات الربيع العربي، وسط مطالبات متسارعة بتنظيم حركات جماهيرية واسعة في مختلف العواصم والمدن العربية والإسلامية انطلاقاً من يوم العشرين من أيلول (سبتمبر) الحالي، تتبعها حركات احتجاجية واسعة رداً على "الفيتو" المتوقع. والجديد في الرهان على إرادة الجماهير العربية يتمثل في الأجواء المختلفة التي وفرتها الثورات العربية، والاختراق الحاد الذي أنجزته هذه الجماهير في تجاوز مشاعر الخوف والإحباط التي رضخت لها على مدى ستة عقود.
التحولات التي يقودها عصر الثورات الديمقراطية العربية ستصل حتماً إلى القضية الفلسطينية، وبأشكال متعددة ومفاجئة. وعلى الرغم من أن حضور القضية الفلسطينية في ساحات الثورات وميادينها لم يحتل المرتبة الأولى لكنه لم يغب، وثمة سلوك يتنامى وسط الجماهير والنخب التي أفرزتها ينعكس اليوم في إعادة صياغة المواقف والسلوك على الأرض، في عقلانية سياسية جديدة تبني واقعية أخرى بعيداً عن الاستلاب السياسي والرضوخ للهيمنة في الواقعية التقليدية التي صبغت طيفاً واسعاً من السياسة العربية. ولعل أحد أبرز مؤشرات العقلانية الجديدة يظهر في وثيقة الأزهر التي حددت ملامح مستقبل مصر في عهد الثورة، وصادقت عليها كافة القوى السياسية والمدنية المصرية، والتي اشتملت على تأكيد احترام اتفاقية السلام جنباً إلى جانب إعلاء المبادئ الديمقراطية والندية في العلاقات الدولية.
يوجد إدراك متنام لدى النخب الإسرائيلية باحتمال تصاعد الخسائر السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية، ومنها فقدان الأحلاف التقليدية في الشرق الأوسط مثل مصر وتركيا. وهناك قراءة أخرى لما بعد الوقوف في وجه أربعة أخماس سكان العالم الذين سيصوتون إلى جانب قرار الدولة الفلسطينية، وكيف ستقود غلبة هيمنة الأقلية على حكمة العالم في تأجيج مشاعر الملايين من العرب والمسلمين. وقد تجد إسرائيل نفسها في مواجهة احتجاجات عالمية مركزها الشرق الأوسط والأراضي المحتلة.
الجماهير العربية، وأولها الفلسطينية، وجهها اليوم للحائط؛ لم يبق لها ما تخسره. وهذا ما يذكرنا بالدعوة التي أطلقت قبل شهور قليلة إلى فرض منطقة محظورة على الطيران فوق غزة ولم تجد آذانا صاغية في دوائر صنع القرار الغربي، وواجهتها إسرائيل بسخرية قاسية. ثمة علاقة غربية وعصية على الفهم، فكلما ازداد رصيد الشارع العربي وتهاوت الأنظمة التي بنت شرعيتها على استمرار الصراع، ازداد الخطاب الإسرائيلي والخطاب الغربي الموالي لها استهانة بالصراع الأساسي! عيون تلك الجماهير هذه الأيام تبحث عن الحد الأدنى من إدراك حقائق العالم وأبسطها بإدراك حدود الملعب وشروطه، وقبل ذلك أوقات اللعب، وأن لا نذهب إلى هناك في الوقت الذي ذهب فيه الآخرون إلى الراحة، ونكتشف أننا نلعب وحدنا.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق